الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - ٧- تقييم ودراسة عوامل النجاح والإخفاق
القتال حتى في الوقت الذي مالت فيه الكفة لصالح الأعداء، وهذا يدلّ على القيادة الفذة والحنكة الرائعة للنبي، سواءً على مستوى تنظيم الجيش وترتيبه، أو على مستوى الثبات النفسي والتسلط على الأعصاب حتى في أحلك الظروف وأصعب اللحظات.
وقد بقي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كالجبل في ميدان الحرب بدون أن يفكر في نجاة نفسه وكان يصيح بالمسلمين بصوت عالٍ: «أنا رسول اللَّه، هَلُمُّوا إليَّ»، ولما سمع المسلمون صوت النبي أسرعوا إليه وأخذوا بالدفاع عنه.
وهكذا الحال فيما ذكره المؤرخون عن غزوة «حمراء الأسد» وتحرك المسلمين في ملاحقة جيش قريش، ممّا يبيّن فطنة نبيالإسلام صلى الله عليه و آله وفكرهالثاقب في هذهالعملية العسكرية من الهجوم غير المباشر، لأنّ انتصار جيش المشركين في غزوة أُحد خلّف أثراً سلبياً عميقاً في أجواء الدعوة الإسلامية وفي نفوس المسلمين وضعفت عزّتهم وعظمتهم بين الأعداء «اليهود والمنافقين» إلى درجة أنّ طائفة من المنافقين أخذوا يفكرون بالهجوم عليهم لكسب بعض الغنائم من المسلمين، ولهذا السبب تحرك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بشجاعة وسرعة لترميم هذا الخلل وإعادة المياه إلى مجاريها وإعطاء النهضة زخماً جديداً وحيوية لإدامة المسير.
وفي هذا الوقت بالذات أقام المشركون مؤتمراً فيما بينهم في منطقة «روحاء» وقد وصل إليهم خبر تحرك المسلمين بقيادة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لملاحقة جيش المشركين، فلما سمعوا بهذا الخبر وأنّ النبي الأكرم على مقربة منهم وهو يقود جيشه في منتهى الشجاعة وقد وصلوا إلى «حمراء الأسد»، اهتزت لذلك معنوياتهم وانكسرت إرادتهم وعرفوا أنّهم عاجزون عن مواجهة المسلمين.
وطبعاً كان خوف أبي سفيان أكثر من الآخرين، ولذلك أرسل إلى النبي رسالة تهديد، ولكنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لم يهتم برسالة أبي سفيان وبقي في ذلك المكان بكامل العظمة والوقار مع جيشه وباتوا في «حمراء الأسد» ثلاث ليال وكانوا في هذه الليالي يوقدون ناراً عظيمة لتعلم قريش أنّ المسلمين ثابتون ومستعدون للمواجهة، وكانوا مستعدين للهجوم على العدو في الوقت المناسب، وقد أعطت هذه المناورات العسكرية والسياسية ثمارها