علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩
عنده يعني بيان المعنى. و مع هذا فقد وردت في كتابه «مجاز القرآن» إشارات إلى بعض الأساليب البيانية كالتشبيه و الاستعارة و الكناية، و بعض خصائص التعبير النحوية التي لها دلالات معنوية من مثل الذكر و الحذف و الالتفات و التقديم و التأخير.
و مع ما اهتدى إليه كل من الفراء و أبي عبيدة من السمات و الخصائص البيانية فإنّ مدلولاتها البلاغية لم تتبلور و تحدد في ذهن أي منهما أو أي من اللغويين و النحاة المعاصرين لهما.
أما طائفة العلماء المعلمين الأخرى التي ظهرت في العصر العباسي فهي طائفة علماء الكلام و في طليعتهم المعتزلة الذين كانوا يدربون تلاميذهم على فنون الخطابة و الجدل و البحث و المناظرة في الموضوعات المتصلة بفكرهم الاعتزالي. و كان هذا التدريب يعمق و يمتد حتى يشمل الكلام و صناعته و قيمته البلاغية و الجمالية.
و قد حفظ لنا كتاب البيان و التبيين للجاحظ قدرا كبيرا من ملاحظات المعتزلة المتصلة بالبلاغة العربية، و هذه قد استقوها من مصدرين هما: التقاليد العربية، و الثقافات الأجنبية التي شاعت في عصرهم و اطلعوا عليها. فالثقافات الأجنبية التي أخذوا أنفسهم بدراستها و تعمّقوا في فلسفتها و منطقها قد عادت عليهم بفائدتين لهما أثرهما في شؤون البلاغة: فائدة عقلية بحتة مصدرها دراسة الفلسفة الإغريقية التي نظمت عقولهم تنظيما دقيقا أعانهم على استنباط القضايا البلاغية، و فائدة أخرى ترجع إلى طلبهم معرفة ما في ثقافات الأمم الأخرى التي وصلت إليهم من قواعد البلاغة و البيان.
و يتضح ذلك حين نجد الجاحظ المعتزلي يورد في كتابه البيان و التبيين تعاريف اليونان و الفرس و الهند للبلاغة و هذا يعني أنّ المعتزلة