الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٤٣٣ - احتجاجه ص فيما يتعلق بالإمامة و صفات من خصه الله تعالى بها و بيان الطريق إلى من كان عليها و ذم من يجوز اختيار الإمام و لؤم من غلا فيه و أمر الشيعة بالتورية و التقية عند الحاجة إليهما و حسن التأدب
قَالَ فَمَا زَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يَقُولُ لَهُ وَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ ع الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ وَ الْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ قَدْ ضَمِنَ الرِّضَا ع فِي كَلَامِهِ هَذَا أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَخْلُو فِي زَمَانِ التَّكْلِيفِ مِنْ صَادِقٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَلْتَجِئُ الْمُكَلَّفُ إِلَيْهِ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ صَاحِبِ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى يَتَوَصَّلُ الْمُكَلَّفُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْعَقْلِ وَ لَوْلَاهُ لَمَا عُرِفَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ فَهُوَ حَجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَلْقِ أَوَّلًا.
وَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ[١] عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ[٢] قَالَ: كُنَّا فِي أَيَّامِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا ع بِمَرْوَ فَاجْتَمَعْنَا فِي جَامِعِهَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي بَدْوِ قُدُومِنَا فَأَدَارَ النَّاسُ أَمْرَ الْإِمَامَةِ وَ ذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا- فَدَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ الرِّضَا ع فَأَعْلَمْتُهُ مَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ جَهِلَ الْقَوْمُ وَ خُدِعُوا مِنْ أَدْيَانِهِمْ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ ص حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ بَيَّنَ فِيهِ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ الْحُدُودَ وَ الْأَحْكَامَ وَ جَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَلًا فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[٣] وَ أَنْزَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ هُوَ آخِرُ عُمُرِهِ- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً[٤] فَأَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَ لَمْ يَمْضِ ص حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِينِهِ وَ أَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيلَهُ وَ تَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْحَقِّ أَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاً ع عَلَماً وَ إِمَاماً- وَ مَا تَرَكَ شَيْئاً تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ هَلْ تَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَ مَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَ أَعْظَمُ شَأْناً وَ أَعْلَى مَكَاناً وَ أَمْنَعُ جَانِباً وَ أَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ فَيُقِيمُوهَا بِاخْتِيَارِهِمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهَا فَأَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً[٥] فَقَالَ الْخَلِيلُ سُرُوراً بِهَا وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي[٦]؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٧]- فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ صَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَنْ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَهْلَ الصَّفْوَةِ وَ الطَّهَارَةِ فَقَالَ تَعَالَى وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ. وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ
[١] القسم بن مسلم: مجهول.
[٢] عبد العزيز بن مسلم: ذكره الشيخ في أصحاب الرضا عليه السلام ص ٣٨٣ من رجاله.
[٣] الأنعام- ٣٨.
[٤] المائدة- ٤.
[٥] ( ٥- ٦- ٧) البقرة- ١٢٤.
[٦] ( ٥- ٦- ٧) البقرة- ١٢٤.
[٧] ( ٥- ٦- ٧) البقرة- ١٢٤.