الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٣٩٨ - احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا ع في التوحيد و العدل و غيرهما على المخالف و المؤالف و الأجانب و الأقارب
وَ أَمَّا الظَّاهِرُ فَلَيْسَ مِنْ أَنَّهُ عَلَا الْأَشْيَاءَ بِرُكُوبٍ فَوْقَهَا وَ قُعُودٍ عَلَيْهَا وَ تَسَنُّمٍ لِذُرَاهَا وَ لَكِنَّ ذَلِكَ لِقَهْرِهِ وَ غَلَبَتِهِ الْأَشْيَاءَ وَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا كَقَوْلِ الرَّجُلِ ظَهَرْتُ عَلَى أَعْدَائِي- وَ أَظْهَرَنِيَ اللَّهُ عَلَى خَصْمِي إِذَا أَخْبَرَ عَلَى الْفَلَجِ وَ الظَّفَرِ فَهَكَذَا ظُهُورُ اللَّهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرَادَهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لِمَكَانِ الدَّلِيلِ وَ الْبُرْهَانِ عَلَى وُجُودِهِ فِي كُلِّ مَا دَبَّرَهُ وَ صَنَعَهُ مِمَّا يَرَى فَأَيُّ ظَاهِرٍ أَظْهَرُ وَ أَوْضَحُ أَمْراً مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَإِنَّكَ لَا تَعْدَمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ وَ فِيكَ مِنْ آثَارِهِ مَا يُغْنِيكَ وَ الظَّاهِرُ مِنَّا الْبَارِزُ بِنَفْسِهِ الْمَعْلُومُ بِحَدِّهِ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ لَمْ يَجْمَعْنَا الْمَعْنَى وَ أَمَّا الْبَاطِنُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِبْطَانِ لِلْأَشْيَاءِ بِأَنْ يَغُورَ فِيهَا وَ لَكِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْيَاءِ عِلْماً وَ حِفْظاً وَ تَدْبِيراً كَقَوْلِ الْقَائِلِ بَطَنْتُهُ بِمَعْنَى خَبَّرْتُهُ وَ عَلِمْتُ مَكْنُونَ سِرِّهِ وَ الْبَاطِنُ مِنَّا الْغَائِرُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَقَرُّ فِيهِ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى قَالَ وَ هَكَذَا جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ وَ إِنْ كُنَّا لَمْ نُسَمِّهَا كُلَّهَا.
وَ كَانَ الْمَأْمُونُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الرِّضَا جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَعْمِلَ الرِّضَا ع عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِي فَحَسَدَهُ بَنُو هَاشِمٍ وَ قَالُوا أَ تُوَلِّي رَجُلًا جَاهِلًا لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ بِتَدْبِيرِ الْخِلَافَةِ فَابْعَثْ إِلَيْهِ يَأْتِنَا فَتَرَى مِنْ جَهْلِهِ مَا تُسْتَدَلُّ بِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ بَنُو هَاشِمٍ يَا أَبَا الْحَسَنِ اصْعَدِ الْمِنْبَرَ وَ انْصِبْ لَنَا عَلَماً نَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَعَدَ مَلِيّاً لَا يَتَكَلَّمُ مُطْرِقاً ثُمَّ انْتَفَضَ انْتِفَاضَةً فَاسْتَوَى قَائِماً وَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ قَالَ أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَ أَصْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَ نِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ[١] بِشَهَادَةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ مَخْلُوقٌ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَنَّ لَهُ خَالِقاً لَيْسَ بِصِفَةٍ وَ لَا مَوْصُوفٍ وَ شَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ بِالاقْتِرَانِ وَ شَهَادَةِ الِاقْتِرَانِ بِالْحَدَثِ وَ شَهَادَةِ الْحَدَثِ بِالامْتِنَاعِ مِنَ الْأَزَلِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَدَثِ[٢] فَلَيْسَ اللَّهَ عَرَفَ مَنْ عَرَفَ ذَاتَهُ بِالتَّشْبِيهِ وَ لَا إِيَّاهُ وَحَّدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ وَ لَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ
[١]« اول عبادة اللّه» أي: أشرفها و أقدمها رتبة« معرفته» تعالى لأنّ الطاعة و العبادة تأتي بعد المعرفة فهي متأخرة رتبة عنها و لا تقبل عبادة بدون المعرفة فهي دونها في الشرف أيضا« و أصل معرفة اللّه توحيده» أي تنزيهه عن التركيب و الشركة« و نظام التوحيد» أي تمامه و كماله« نفي الصفات الزائدة عنه» فلا يتم التوحيد الا بالقول بأنّ صفاته تعالى عين ذاته.
[٢] ثم إنّه عليه السلام شرع بإقامة الدليل على نفي الصفات الزائدة على الذات- فقال:( لشهادة العقول أنّ كل صفة و موصوف مخلوق) و ذلك: أنّ الصفة لا قوام لها إلّا بالموصوف فهي محتاجة إليه لا تنفك عنه. و بها كمال الموصوف فهو محتاج إليها. و الحاجة دليل الإمكان( و شهادة كل مخلوق أنّ له خالقا) غنيا بذاته( ليس بصفة) حتى يفتقر إلى الموصوف ليقوّم به ذاته( و لا موصوف) حتى يحتاج إلى الصفة لكي يكمل بها ذاته( و شهادة كل صفة و موصوف بالاقتران) لما عرفت من حاجة بعضها إلى الآخر و شهادة الاقتران بالحدث إلخ توضيح ذلك: هو أنّ الصفة و الموصوف إمّا أن يكونا قديمين. أو يكون أحدهما قديما و الآخر حادثا. أو يكونا حادثين. و لا رابع لهذا الحصر الثلاثي. و الأول باطل لما يلزم منه القول بتعدّد القدماء و قد ثبت بطلانه.
و الثاني يبطله الاقتران و الحاجة و الافتقار لما ألمحنا إليه آنفا و حينئذ يثبت القول الثالث و هو المطلوب.