ثلاث رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢١ - المراد بالظلم في المفهوم القرآني
فيهم كما اختصّها اللَّه سبحانه و تعالى به و تلطّف بها عليه حيث نصبه بقوله تعالى:
جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً، و لكن في تلك الآية فإنّ القضيّة طرحت بصيغة السؤال، حيث سأل إبراهيم (عليه السلام) ربّه: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي هل للبعض من ذرّيتي نصيباً في الإمامة و القيادة قيادة الإمامة، فجاء الردُّ من قبل اللَّه سبحانه و تعالى، و هو قوله:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. و يبدو لنا إذا قارنّا بين هذه الآية و تلك- خاصّة بعد الأخذ بنظر الاعتبار- ما أشرنا إليه من أنّ الآيات: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ... تحكي عن الظروف التي انطلق الدعاء في أجوائها. حيث تصوّر لنا الآية أنّ إسماعيل كان شابّاً ذا نظارة و ممتلئاً بالطاقة و الحركة، و بإمكانه مساعدة إبراهيم في بنائه للبيت الحرام، و بناءً على أنّ هذه الآية جاءت بعد الآية التي يقول فيها تعالى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي، فعمر إبراهيم (عليه السلام) يدلّنا على أنّ هذه الآيات في تسلسلها الزمني تأتي متأخّرة عن تلك الآية- و الآن إذا قرنّا بين الآيتين، نرى أنّه في الآية الأولى يسأل إبراهيم ربّه قائلًا: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي فيردّ عليه تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. في الحقيقة هنا حصل إبراهيم على معيار أو ملاك معيّن حيث فهم أنّ المرشّح لأمر الإمامة بالجعل الإلهي و العطاء الإلهي يجب أن لا يمت إلى الظلم بأيّة صلة.
و استناداً إلى الرّوايات، و كذلك بحكم التناسب أو السنخية الموجودة بين الحكم و الموضوع فإنّ عدم التلبّس بالظلم هو شرط ليس فقط عند التصدّي لأمر الإمامة، بل يجب أن يكون الإمام غير متلبّس بالظلم في الماضي أيضاً، أي أن يكون بعيداً عن الظلم طوال عمره. و المقصود من الظلم هنا ليس المعنى المتداول بيننا و في استعمالاتنا العرفيّة. و الظلم له معنى خاص، و فهم العامّة للظلم هو أن يسرق شخص مال شخص آخر، أو أن يضرب إنسان إنساناً آخر بلا أي مبرّر،