ثلاث رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٩٦ - العنوان الأوّل هو عنوان الحرج
و ورد في مجمع البحرين: أنّ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي ما ضيّق. و هذا يعني أنه فسّر الحرج بالضيق. و لكن أرى أنّ تفسيره ب «ما ضيّق» يستقيم معه معنى الجملة. فيكون معنى الآية «ما ضيّق بأن يكلّفكم ما لا طاقة لكم به و ما تعجزون عليه» و سبق و أن قلنا: إنّ العجز و عدم الطاقة ليس بمعنى الحرج.
لكن نعود فنقول: إنّ الأساس هو أنّه فسّر الحرج بالضيق و التضيّق. بعد ذلك يورد صاحب مجمع البحرين قولًا يؤيّد فيه ما جاء في كتاب النهاية.
يقول صاحب مجمع البحرين: و في كلام الشيخ علي بن إبراهيم- و هو من الأدباء و اللغويين- الحرج الذي لا مدخل له، و الضيقة ماله مدخل. إذن الضيق فيه مندوحة و مهرب، و أمّا الحرج فلا مفرّ منه و لا مهرب. و ظاهر هذا الكلام، أنّه مرادف لما جاء في النهاية من أنّ الحرج هو أضيق الضيق. و أدقّ ما ورد في تفسير هذا الكلمة، هو ما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته،- و هو من الكتب النفيسة جدّاً- من أنّ أصل الحرج و الحراج، هو مجتمع الشيء و تصوّر منه ضيق بينها، فقيل للضيق حرج، و للإثم حرج. إذن من هنا نفهم أنّ الحرج ليس بمعني الضيق، و لا بمعنى الإثم، بخلاف ما أورده صاحب النهاية إذ يقول: الحرج في الأصل الضيق، بل هو اجتماع أجزاء شيء واحد و حدوث تداخل و ترابط فيما بينهم. هذا الاجتماع هو ما يسمّى بالحرج. و يلزم عن حالة الاجتماع هذه الضيق. لأنّ الشيء إذا كانت أجزاؤه متفرّقة فلا ضيق، و أمّا إذا تجمّعت في مكان واحد، خاصّة إذا كان الشيء من قبيل السوائل التي لها تركيب خاص، حينئذٍ فإنّ الاجتماع يستلزم الضيق. أي أنّ الأشياء تداخلت فيما بينها و ترابطت، و من هنا عبر عن المعنى الحقيقي للحرج بأن قال: هو مجتمع الشّيء- على حدّ تعبيره- و قوله تصوّر منه، يعني استلزم من حالة الاجتماع ضيق فيما بين الأجزاء.