ثلاث رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٩ - الشبهة الحكمية
لأنّا نقول: أولًا جريان استصحاب الليل بنحو الشبهة الموضوعية فلا إشكال في جريانه بمعنى انّا نستصحب الليل عند الشكّ في طلوع الفجر و لكنّ جريانه بنحو الشبهة الحكمية فلا لأنّ الشبهة حينئذٍ مفهومية و لا شكّ في الخارج حيث إنّ طلوع الفجر قد حصل و تبيّنه لم يحصل بعدُ. و أدلّة الاستصحاب ناظرة إلى الخارج لا إلى المفهوم و لا يقين من بدو الأمر بأنّ الليل إلى طلوع الفجر أو إلى تبين الفجر، بل نعلم انّ الليل إن كان إلى طلوع الفجر فقد حصل و إن كان إلى تبيّن الفجر فلم يحصل بعدُ، فلا شك في متيقن سابق [١]. و ثانياً: إنّ الحكم في الآية لم يترتّب على عنوان الليل أو عدمه بل ترتّب جواز الأكل و الشرب مغيّا بطلوع الفجر أو تبيّنه بمعنى انّ غاية الأكل و الشرب امّا طلوع الفجر أو تبيّنه. و ثالثاً: انّ استصحاب الليل انّ كان لإثبات الليل فلا يكون هو موضوع الدليل و إن كان لإثبات انّ الغاية نفس التبيّن لا طلوع الفجر فهو أصل مثبت. و أمّا الاستصحاب الحكمي في الشبهة الحكمية فلا إشكال في جريانه بمعنى إنا
[١]. فليس لنا يقين و شكّ تعلّقا بشيء واحد حتّى نُجرى الاستصحاب فيه بل لنا يقينان: يقين بطلوع الفجر و يقين بعدم تبيّنه، فأيّ موضوع يشكّ في بقائه بعد العلم بحدوثه حتّى يكون مجرى للاستصحاب فإذا لا شكّ لنا إلّا في مفهوم اللفظ و من الظاهر انّه لا معنى لجريان الاستصحاب فيه. قال صاحب مصباح الاصول تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئي: «و نظير المقام ما إذا شككنا في معنى العدالة و أنها عبارة عن ترك الكبائر فقط أو هو مع ترك الصغائر، فإذا كان زيد عادلًا يقيناً فارتكب صغيرة نشك في بقاء عدالته للشبهة المفهوميّة، فلا معنى لجريان الاستصحاب الموضوعي لعدم الشكّ في شيء من الموضوع حتّى ليجرى فيه الاستصحاب، فإنّ ارتكابه الصغيرة معلوم و ارتكابه الكبيرة معلوم الانتفاء فليس هنا شيء يشكّ في بقائه ليجري فيه الاستصحاب و قد صرّح الشيخ (رحمه الله) في بعض تحقيقاته بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد الشبهة المفهومية» (مصباح الاصول، ج ٣، ص ١٣٢).