ثلاث رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٠ - قاعدة لا حرج و الأحكام غير الإلزاميّة
لا؟ و قد عنون صاحب الفصول (رحمه الله) هذه المسألة، و صرّح بعدم جريان هذه القاعدة في باب المستحبّات و المكروهات، فلو تعلّق الحكم الاستحبابي بأمر حرجي فإنّ قاعدة (لا حرج) لا تنفي الاستحباب، و لو تعلّق الحكم الكراهتي بأمرٍ حرجي فإنّ هذه القاعدة لا تنفي الكراهة. إلّا أن مع ملاحظة ما قلناه، فإنّ الأمر بحاجةٍ إلى توضيحٍ، فنقول: إنّ المسألة يمكن توضيحها بأحد طريقين: الأوّل: أنّنا نشاهد في قاعدة (لا حرج) أنّه استخدمت كلمة (على) و نحن إذا لاحظنا الموارد التي استخدمت فيها كلمة (على) نجدها تستخدم في التكاليف الإلزاميّة، و في بعض التكاليف نستفيد الإلزام من نفس كلمة (على)، ففي آية الصوم حيث قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فإنّه لا يتناسب إلّا مع الإلزام. و نشاهد أيضاً في آية القتال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أو في أدلّة الأحكام التحريميّة مثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ...) فاستعمال كلمة (على) بعد كلمة (جعل) لا يمكن تطبيقه إلّا على التكاليف الإلزاميّة. و أمّا الطريق الثاني: و هو المبتني على كلامنا السابق، فقد جعلنا الحرج صفة للتكليف في قبال من ظنّ الحرج عنواناً للفعل و العمل حيث كان يفسّر قوله (ما جَعَلَ) ب (ما أوجب)، و قد أجبناه أنّ (مِنْ حَرَجٍ) مفعول مطلق نوعي، أي: ما جعل عليكم في التكاليف من تكليفٍ حرجي، فعنوان الحرج وصف للتكليف نفسه، و وصف لنفس الحكم، و هذا المعنى الذي استفدناه يعطي ثماره فيما نحن فيه، لأنّه لو كان الحرج وصفاً للتكليف، فنحن نعلم بأنّ التكليف الاستحبابي مهما كان المكلّف به حرجيّاً فإنّ نفس التكليف الاستحبابي لا يمكن أن يكون حرجياً، فالتكليف الذي يتضمّن إمكان المخالفة و الترك من دون استحقاق للعقاب على تركه، هل يمكن أن نقول بأنّه حرجي؟.