تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢١٧ - الفصل الخامس في اتّحاد الطلب و الإرادة
الواحد [١]، و هو أيضاً ممّا قامت عليه البراهين العقليّة القطعيّة، و المقام هو القدر المتيقَّن من موردها، و القولُ بالجبر و استناد جميع الأفعال إليه تعالى بلا واسطة الأسباب يوجب انخرام تلك القاعدة المبرهن عليها.
فتلخّص: أنّ القول بالجبر و استناد الموجودات و الأفعال إليه تعالى بلا واسطة العلل و المعلولات و الأسباب، مخالفٌ للبراهين العقليّة، و ينجرّ إلى الكفر باللَّه تعالى، كما أنّ القول بالتفويض و استقلال الموجودات الممكنة في التأثير و الإيجاد ممتنع عقلًا، و مخالف للبراهين العقليّة القطعيّة، و موجب للشرك باللَّه.
اذا عرفت هذا فاعلم: أنّ هنا قولًا ثالثاً خارج عن طرفي الإفراط و التفريط، و هو القول بالأمر بين الأمرين [٢]، يصدق عليه البين حقيقة، و هو القول باستناد كلّ أثر إلى مؤثّره في الممكنات، كالإحراق إلى النار، و الإشراق إلى الشمس، و هكذا، لكن لا مستقلًا، فكما أنّ جميع الموجودات الممكنة موجودة، لكن لا استقلالًا، و متّصفة بأوصاف كذلك، كالإرادة و التكلّم و العلم في الإنسان، كذلك هي مؤثّرة في آثارها و أفعالها و معلولاتها، لكن لا بنحو الاستقلال؛ لما مرّ من أنّها صرف الربط و التعلّق و محض الفقر و الاحتياج، لا استقلال لها أصلًا، فالمفوّضة يقولون: النار محرقة و علّة تامّة مستقلّة في الإحراق، و هكذا الإنسان بالنسبة إلى أفعاله الصادرة منه و المجبّرة يقولون: إنّ المؤثّر و الموجود للآثار طُرّاً و الأفعال قاطبة هو اللَّه تعالى بلا واسطة، و إنّ عادة اللَّه جارية على خلق شيء عقيب شيء و إلّا فلا تأثير و لا تأثّر للممكنات.
و إنّا نقول: الشمس مشرقة لا مستقلًاّ، و النار محرقة لا مستقلًاّ، و الإنسان موجد لأفعاله لكن لا استقلالًا، و هكذا كلّ علّة ممكنة مؤثّرة في معلولها موجدة لها،
[١]- الحكمة المتعالية ٢: ٢٠٤.
[٢]- الذي وردت به روايات عديدة عن المعصومين (عليهم السلام) راجع الكافي ١: ١٢٢/ ١٣، تلخيص المحصّل: ٣٣٣- ٣٣٤.