تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢١٥ - الفصل الخامس في اتّحاد الطلب و الإرادة
و أمّا تفويض الأمر إلى العلّة الاولى من الممكنات؛ بحيث تتمكّن من طرد جميع الأعدام المتطرّقة إلى معلولها، فهو أيضاً محال، فإنّ جميع ما سوى اللَّه من الموجودات الممكنة أظلال غير مستقلّة و صرف ربط و فقر بالذات، كما لا يخفى على من لاحظ كيفيّة ارتباط المعلول بالعلّة، فإذا كان غيره تعالى من الموجودات كذلك امتنع انقلابها إلى الغني بالذات بحيث يصير مستقلّاً تامّاً كاملًا «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ» [١].
و الحاصل: أنّ انقلاب الممكن بالذات إلى الغني بالذات مستحيل، و إلّا لزم الشرك و تعدّد الواجب بالذات، و لهذا ورد في بعض الأخبار: أنّ القائل بالتفويض مشرك [٢]، و ما ذكرناه مبني على المذهب المنصور الموافق للتحقيق؛ من القول بأصالة الوجود و اعتباريّة الماهيّة، و على بساطة الوجود و اشتراكه، كما حقّق في محلّه [٣] و أنّ وجود جميع الممكنات بسيط غير مركّب من الهيولى و الصورة؛ كي يقال بتبديل الصورة عند الانقلاب إلى الوجود، فهذا المذهب ضروري البطلان و الفساد؛ أي مذهب التفويض.
و أمّا المذهب الآخر: أي الجبر، فهو أيضاً مخالف للبراهين العقليّة، و ليس المقام محلّ بسط الكلام فيه؛ لخروجه عن البحث الأصلي، لكن نشير إليه إجمالًا، فنقول:
قد عرفت: أنّ الموافق للتحقيق هو القول بأصالة الوجود، و أنّه بسيط غير مركّب من الجنس و الفصل، و ليس من الأنواع و مقولًا بالتشكيك ذا مراتب متفاوتة مختلفة في النقص و الكمال، سواء كان مادّيّاً أم ملكوتيّاً مجرّداً، كلّ ذلك بالبراهين القطعيّة العقليّة عليها المذكورة في محلّها، فوجود الأعراض ناقص بالنسبة إلى ما فوقه،
[١]- فاطر (٣٥): ١٥.
[٢]- بحار الأنوار ٥: ١١/ ١٨ أبواب العدل من كتاب العدل و المعاد.
[٣]- انظر شرح المنظومة (قسم الفلسفة): ١٠ و ١٥، الحكمة المتعالية ١: ٥٠.