تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢١٨ - الفصل الخامس في اتّحاد الطلب و الإرادة
لكن لا استقلالًا، فبقولنا: موجدة و مؤثّرة ننفي قول المجبّرة و مذهبهم، و بقولنا: لا استقلالًا ننفي قول المفوّضة فهذا القول وسط بين القولين، و هو الموافق للبراهين و الآيات و الروايات، فيصحّ إسناد الآثار الصادرة من الموجودات الممكنة إليه تعالى بنحو الحقيقة، فإنّه علّة العلل كما يصحّ إسنادها إلى عللها التكوينيّة الممكنة أيضاً بنحو الحقيقة قال اللَّه تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» [١] فالجبري يقول: رمى اللَّه و ما رمى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و المفوّض يقول: رمى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما رمى اللَّه، و لكنّا نقول: رمى اللَّه و رمى النبي؛ لقوله تعالى: «إِذْ رَمَيْتَ»، كلاهما بنحو الحقيقة، و قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» [٢]، و قال أيضاً «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»* [٣]، فإنّ معناه أنّهم شاءوا و شاء اللَّه، فأسند المشيئة إليهم و إلى ذاته المقدّسة.
و قال: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [٤]، و توضيح مفاد هذه الآية و أمثالها يتوقّف على تقديم مقدّمة هي:
أنّك قد عرفت: أنّ المتأصِّل في الكون هو الوجود، و لهذا قلنا: إنّه لا بدّ و أن ترجع جميع الصفات الكماليّة إلى الوجود، و لا يصدر من حقيقة الوجود أيضاً إلّا الوجود، إلّا أنّه وجود محدود ناقص بالنسبة إلى مؤثّره و مبدئه، الذي هو الوجود الصرف الكامل، الذي لا يتطرّق إليه نقصٌ أصلًا، و أمّا نقص الصادر منه و محدوديّته فليس هو من ناحية المبدأ و المصدر، بل لأجل تأخّره الذاتي عن مرتبة مبدئه، و النقص و الحدّ ليسا من الامور المُتأصِّلة في الكون، بل أمر عدمي اعتباري؛ إذ لو كان
[١]- الأنفال (٨): ١٧.
[٢]- فاطر (٣٥): ٨.
[٣]- الإنسان (٧٦): ٣٠، التكوير (١٠٨): ٢٩.
[٤]- النساء (٤): ٧٩.