مناقب آل أبي طالب - ط علامه - ابن شهرآشوب - الصفحة ٥٨ - فصل في استظهاره ع بأبي طالب
بِالْإِسْلَامِ فَلَمَّا نَزَلَ إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَاتِ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ فَحَدَبَ عَلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ وَ مَنَعَهُ فَقَامَ عُتْبَةُ وَ الْوَلِيدُ وَ أَبُو جَهْلٍ وَ الْعَاصُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا وَ عَابَ دِينَنَا وَ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَ ضَلَّلَ آبَاءَنَا فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا وَ إِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَقِيقاً وَ رَدَّهُمْ رَدّاً جَمِيلًا فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَ يَدْعُو إِلَيْهِ وَ أَسْلَمَ بَعْضُ النَّاسِ فَانْهَمَشُوا[١] إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالُوا إِنَّ لَكَ سِنّاً وَ شَرَفاً وَ مَنْزِلَةً وَ إِنَّا قَدِ اشْتَهَيَنْاكَ أَنْ تَنْهَى ابْنَ أَخِيكَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَ إِنَّا وَ اللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا وَ تَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا وَ عَيْبِ آلِهَتِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا أَوْ تُنَازِلَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ع مَا بَالُ أَقْوَامِكَ يَشْكُونَكَ فَقَالَ ع إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَ تُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ فَقَالُوا كَلِمَةً وَاحِدَةً نَعَمْ وَ أَبِيكَ عَشْراً قَالَ أَبُو طَالِبٍ وَ أَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَامُوا يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَ يَقُولُونَ أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ إِلَى قَوْلِهِ عَذابِ[٢].
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لَهُ فِي السِّرِّ لَا تَحْمِلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ وَ أَنَّهُ خَاذِلُهُ وَ أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ فَقَالَ يَا عَمَّاهْ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَ الْقَمَرُ فِي شِمَالِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْقَوْلَ حَتَّى أُنْفِذَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ ثُمَّ اسْتَعْبَرَ فَبَكَى ثُمَّ قَامَ يُوَلِّي فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ امْضِ لِأَمْرِكَ فَوَ اللَّهِ مَا أَخْذُلُك أَبَداً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ ع إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَدْعُوَ إِلَى دِينِهِ الْحَنِيفِيَّةِ وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُغْضَباً فَدَعَاهُ أَبُو طَالِبٍ وَ طَيَّبَ قَلْبَهُ وَ وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
|
وَ اللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ |
حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِيناً |
|
|
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ[٣] |
وَ انْشُرْ بِذَاكَ وَ قَرَّ مِنْكَ عُيُوناً |
|
|
وَ دَعَوْتَنِي وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحٌ |
فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَ كُنْتَ قَبْلُ أَمِيناً |
|
|
وَ عَرَضْتَ دِيناً قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ |
مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِيناً |
|
|
لَوْ لَا الْمَخَافَةُ أَنْ يَكُونَ مَعَرَّةٌ[٤] |
لَوَجَدْتَنِي سَمِحاً بِذَاكَ مُبِيناً |
|
.
[١] انهمشوا: اي اقبلوا.
[٢] ص ٤ الى ٨.
[٣] الغضاضة: الذلة و المنقصة.
[٤] معرة: الاثم و الاذى.