القواعد العامة في الفقه المقارن - الحكيم، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - الفرع الثاني مدلول القاعدة
و هذا القول و إن نسب إلى بعض أكابر العلماء، إلاّ أنّني لا أظنّه مراده، و ربما أراد المعنى الثاني، و أو همت عبارته خلاف ذلك. [١]
و القول الثاني و إن كان له وجه، إلاّ أنّ الذي يبعده هو أنّ اللّجوء إلى التجوّز لا يصار إليه إلاّ مع تعذر حمل الكلام على الحقيقة لوجود قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. و القرينة المدعاة هنا هي تعذّر حمل الكلام على حقيقته؛ لأنّ نفي الضرر حقيقة في الخارج، و الإخبار عن عدم وقوعه كذب منزّه عنه صلّى اللّه عليه و آله؛ لوقوعه بالوجدان [٢] ، بالإضافة إلى أنّ الشارع ليس من وظيفته الإخبار عن الأمور الخارجية [٣] ، فلا بدّ من حملها على التجوّز لذلك.
و لكن هذه القرينة غير واضحة؛ لأنّ الشارع هنا أخبر عن نفي ما يقع تحت سلطانه من الأضرار الناشئة عن تشريعاته. و يؤيد ذلك وجود كلمة «في الإسلام» في الحديث [٤] ، و الإسلام هو مجموع اعتبارات الشارع المقدس، فكأنّه قال: لا ضرر و لا ضرار في تشريعاتي، أي: ما يلزم من تشريعاتي الضرر أو الضرار فهو منفي، فالإخبار هنا ليس عن نفي وقوع الضرر في الخارج ليلزم الكذب، و الخروج عن الوظيفة الشرعية، و إنّما عن نفيه في مجال التشريع.
على أنّ كلمة «في الإسلام» تبعد إرادة النهي هنا [٥] ؛ إذ لا يستساغ في عالم البلاغة أن يقول القائل: لا تضرّوا و لا تضارّوا في الإسلام.
[١] . أوهم كلام شيخ الشريعة الأصفهاني بين المعنى الأوّل و المعنى الثاني، لكن عباراته إلى المعنى الثاني أقرب كما فهم الأكثر ذلك. راجع كلامه في «قاعدة لا ضرر و لا ضرار» : ٢٨، ٣٧، ٣٩، ٤٤.
[٢] . انظر: مصباح الأصول ٢: ٥٢٦.
[٣] . قال السيد مير فتّاح المراغي في العناوين ١: ٣١١: «الشارع في مقام الحكم من حيث هو كذلك، لا في مقام ما يوجد في الدين و ما لا يوجد» .
[٤] . عوائد الأيام: ٥١.
[٥] . المصدر السابق.