القواعد العامة في الفقه المقارن - الحكيم، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - الفرع الرابع شبهات حول مدلول القاعدة الشبهة الأولى إجمال القاعدة
و بما أنّ نسبة الأدلّة إلى موضع الالتقاء بين العامّين من وجه نسبة واحدة من حيث الظهور، فلا يمكن تقديم بعضها على بعض، و بمقتضى ذلك يحكم بتعارضها و تساقطها للمعارضة؛ لاستحالة أن يعبّدنا الشارع بالدليلين المتناقضين، و استحالة صدور التناقض منه.
مناقشة و رأي و قد أجيب عن هذه الشبهة بعدّة أجوبة، لعلّ أهمّها:
أوّلا: إنّ هذه القاعدة-أعني (لا ضرر) -يمكن نسبتها إلى مجموع الأحكام الشرعية فتكون أخص منها، و الخاص يقدّم على العامّ، فكأنّ الشارع قال: عليكم بالأخذ بأحكامي جميعا إلاّ ما كان منها ضرريّا، و الأحكام الضررية كما هو واضح أخصّ من مطلق الأحكام؛ فيقدم دليلها عليها بالتخصيص. [١]
و هذا الجواب سليم لو كان عندنا مثل ذلك العموم الشامل، و انتزاعنا له من مجموع ما ورد من قبل الشارع من الأحكام لا يجعله صادرا من قبله، و إنّما الصادر منه أحكام متفرّقة واردة على موضوعاتها، مدلولة لأدلّتها الخاصّة، و النسبة إنّما تلحظ عادة بين الأدلّة الصادرة عن الشارع، لا المنتزعة من قبلنا. [٢]
و الأدلّة الصادرة عنه أدلّة متفرّقة، كلّ دليل فيها وارد على حكمه، فللوضوء دليله، و للصلاة دليلها، و هكذا... و النسبة بين حديث (لا ضرر) و بين كل واحد منها هي العموم و الخصوص من وجه-كما سبق تقريبه-و مقتضاه التعارض و التساقط، فلا يبقى لقاعدة (لا ضرر) مورد واحد.
ثانيا: و قد يقال في مقام الجواب: إنّ التعارض هنا و إن كان محكما من حيث
[١] . منية الطالب ٣: ٤٠٦.
[٢] . راجع: دراسات في علم الأصول ٣: ٥١٣.