القواعد العامة في الفقه المقارن - الحكيم، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧١ - الفرع الثالث حجّية القاعدة
وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لََكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [١] .
قال في مجمع البيان: «معناه: ما يريد اللّه بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة، و الغسل من الجنابة، و التيمّم عند عدم الماء، أو تعذّر استعماله، ليلزمكم في دينكم من ضيق، و لا ليعنتكم فيه، عن مجاهد و جميع المفسّرين» . [٢]
و الذي يظهر من هذا التفسير أنّ التعقيب وارد على جميع ما شرّع، و بيان أنّه جميعه، سواء في ذلك الأوامر الأولية الواقعية أو الثانوية الاضطرارية، ليست حرجية و لا تكلّفكم عنتا.
و لكنّ الذي يمكن أن نستوضحه: أنّ التعقيب ليس على جميع الأحكام، و إنّما على الانتقال من الطهارة المائية إلى الترابية، فكأنّ الآية الكريمة لمّا فرضت الوضوء، توقّعت حالات عارضة يعسر أو يشقّ معها الوضوء، فرفعت ذلك الحكم، و أثبتت مكانه حكما آخر أخفّ منه، و لا كلفة فيه كالأوّل، كلّ ذلك إرادة لرفع الحرج، و بيان أنّه ممّا لم يرد للشارع، ثمّ عقّبت بأنّ الأوامر المتقدّمة و طلب الطهارة مائية أو ترابية كلّها تكاليف ذات مصالح ملزمة يراد بها تطهيركم، و إتمام النعمة عليكم بإرشادكم إلى مصالحكم، لعلّكم تشكرون.
فتكون الآية بهذا الاستظهار دالّة على المطلوب؛ لأنّها وردت لرفع حكم حرجي و هو الحكم الأولي الاختياري، و شرّعت مكانه ما ليس فيه كلفة و لا مشقّة؛ تخفيفا و تسهيلا على المكلّفين.
و تعتبر هذه الآية من أقوى أدلّة الحجّية كذلك؛ لكونها واردة في لسان القاعدة.
ثالثا: قوله تعالى: وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اَللََّهُ
[١] . المائدة: ٦.
[٢] . مجمع البيان ٣: ٢٨٩.