الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩٠ - ٩٨- أخلاق الخصي
و يعرض له الشّره عند الطعام، و البخل عليه، و الشحّ العامّ في كلّ شيء، و ذلك من أخلاق الصّبيان ثم النّساء.
و قال الشاعر: [من الطويل]
كأنّ أبا رومان قيسا إذا غدا # خصيّ براذين يقاد رهيص
له معدة لا يشتكي الدهر ضعفها # و حنجرة بالدورقين قموص
و يعرض للخصيّ سرعة الغضب، و الرضا، و ذلك من أخلاق الصّبيان و النّساء.
و يعرض له حبّ النميمة، و ضيق الصدر بما أودع من السرّ، و ذلك من أخلاق الصبيان و النساء، و يعرض له دون أخيه لأمّه و أبيه، و دون ابن عمّه و جميع رهطه، البصر بالرّفع و الوضع، و الكنس و الرشّ، و الطّرح و البسط، و الصبر على الخدمة، و ذلك يعرض للنساء، و يعرض له الصبر على الرّكوب، و القوّة على كثرة الركض حتّى يجاوز في ذلك رجال الأتراك و فرسان الخوارج. و متى دفع إليه مولاه دابّته و دخل إلى الصلاة، أو ليغتسل في الحمام، أو ليعود مريضا، لم يترك أن يجري تلك الدابّة ذاهبا و جائيا، إلى رجوع مولاه إليه.
و يعرض له حبّ الرمي بالنّشّاب، للّذي يدور في نفسه من حبّ غزو الرّوم.
و يعرض له حبّ أن تملكه الملوك، على ألاّ تقيم له إلاّ القوت، و يكون ذلك أحبّ إليه من أن تملكه السّوقة، و إن ألحقته بعيش الملوك!!.
و من العجب أنّهم مع خروجهم من شطر طبائع الرجال، إلى طبائع النساء، لا يعرض لهم التخنيث. و قد رأيت غير واحد من الأعراب مخنّثا متفكّكا، و مؤنثا يسيل سيلا، و رأيت عدّة مجانين مخنّثين، و رأيت ذلك في الزّنج الأقحاح. و قد خبّرني من رأى كرديّا مخنثا، و لم أر خصيّا قط مخنّثا، و لا سمعت به؛ و لا أدري كيف ذلك و لا أعرف المانع منه. و لو كان الأمر في ذلك إلى ظاهر الرأي، لقد كان ينبغي لهم أن يكون ذلك فيهم عامّا! و مما يزيدني في التعجّب من هذا الباب، كثرة ما يعرض لهم من الحلاق [١] ، مع قلّة ما يعرض لهم من التخنيث، مع مفارقتهم لشطر معاني الرجال إلى شبه النساء.
و يزعم كثير من الشيوخ المعمّرين؛ و أهل التجربة المميّزين، أنّهم اختبروا
[١] الحلاق: فساد متاع الإنسان، فتعود حرارته إلى دبره. انظر اللسان: حلق ١٠/٦٥، ٦٦.