الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٣ - ٧٢- طلب النسل
السلامة عليه يتوهّم عليه الغفلة، و هو الذي ذكر الفقير مرة في قصصه فقال [١] :
الفقير مرقته سلقة، و رداؤه علقة، و جردقته فلقة، و سمكته شلقة، و إزاره خرقة [٢] .
قالوا: ثمّ ذكر الخصيّ فقال: إذا قطعت خصيته، قويت شهوته و سخنت معدته، و لانت جلدته، و انجردت شعرته، و اتّسعت فقحته، و كثرت دمعته!! و قالوا: الخصيّ لا يصلع كما لا تصلع المرأة، و إذا قطع العضو الذي كان به فحلا تامّا، أخرجه ذلك من أكثر معاني الفحول و صفاتهم، و إذا أخرجه من ذلك الكمال، صيّره كالبغل الذي ليس هو حمارا و لا فرسا، و تصير طباعه مقسومة على طباع الذكر و الأنثى، و ربما لم يخلص له الخلق و لم يصف، حتّى يصير كالخلق من أخلاق الرجال، أو يلحق بمثله من أخلاق النساء، و لكنّه يقع ممزوجا مركبا، فيخرج إلى أن يكون مذبذبا، لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء. و ربما خرجت النتيجة و ما يولّده التركيب، عن مقدار معاني الأبوين، كما يجوز عمر البغل عمر أبويه، و كذلك ما عددنا في صدر هذا الكلام.
٧٢-[طلب النسل]
و قالوا: و للإنسان قوى معروفة المقدار، و شهوات مصروفة في وجوه حاجات النفوس، مقسومة عليها. لا يجوز تعطيلها و ترك استعمالها ما كانت النفوس قائمة بطبائعها و مزاجاتها و حاجاتها. و باب المنكح من أكبرها، و أقواها، و أعمّها.
و يدخل في باب المنكح ما في طبائعهم من طلب الولد، و هو باب من أبوابهم عظيم؛ فمنهم من يطلبه للكثرة و النّصرة، و للحاجة إلى العدد و القوّة، و لذلك استلاطت العرب الرجال، و أغضت [٣] على نسب المولود على فراش أبيه، و قد أحاط علمه بأنّه من الزوج الأوّل. قال الأشهب بن رميلة: [من البسيط]
قال الأقارب لا تغررك كثرتنا # و أغن نفسك عنّا أيها الرجل [٤]
[١] ورد قول عبد الأعلى في البخلاء ١٠٦، عيون الأخبار ٢/٤٦.
[٢] (السلقة) : الجرادة، لعله يريد أنه يجتزئ من المرق بالقليل منه؛ حتى إنه ليكفيه مرق جرادة واحدة. و (العلقة) : شجر يبقى في الشتاء تتبلغ به الإبل حتى تدرك الربيع. (الفلقة) : الكسرة.
(الجردقة) : الرغيف. (الشلقة) : شيء على خلقة السمكة، صغير له رجلان عند ذنبه كرجل الضفدع، لا يدين له، يكون في أنهار البصرة.
[٣] أغضت: سكتت.
[٤] البيتان للأشهب بن رميلة في ديوانه ٢٣٧، و البيان ٣/٦٦، و هما لنهشل بن حري في ديوانه ١١٨-١١٩، و الوحشيات ١١٨.