الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٨ - ٦٨- أوجه تأليف كتب العلم
الفوائد قائمة، و لن تزال فوائدها موجودة ما كانت الدار دار حاجة، و لن يزال من تعظيمها في القلوب أثر، ما كان من فوائدها على الناس أثر.
و قالوا: من ورّثته كتابا، و أودعته علما، فقد ورثته ما يغل و لا يستغلّ، و قد ورثته الضيعة التي لا تحتاج إلى إثارة، و لا إلى سقي، و لا إلى إسجال بإيغار [١] ، و لا إلى شرط، و لا تحتاج إلى أكّار [٢] ، و لا إلى أن تثار، و ليس عليها عشر، و لا للسلطان عليها خرج. و سواء أفدته علما أو ورثته آلة علم، و سواء دفعك إليه الكفاية، أو ما يجلب الكفاية. و إنما تجري الأمور و تتصرف الأفعال على قدر الإمكان، فمن لم يقدر إلاّ على دفع السبب، و لم يجب عليه إحضار المسبّب، فكتب الآباء، تحبيب للأحياء، و محي لذكر الموتى.
و قالوا: و متى كان الأديب جامعا بارعا. و كانت مواريثه كتبا بارعة، و آدابا جامعة، كان الولد أجدر أن يرى التعلّم حظا، و أجدر أن يسرع التعليم إليه، و يرى تركه خطأ. و أجدر أن يجري من الأدب على طريق قد أنهج له، و منهاج قد وطئ له.
و أجدر أن يسري إليه عرق من نجله، و سقي من غرسه، و أجدر أن يجعل بدل الطلب للكسب، النظر في الكتب، فلا يأتي عليه من الأيّام مقدار الشغل بجمع الكتب، و الاختلاف في سماع العلم، إلا و قد بلغ بالكفاية و غاية الحاجة. و إنّما تفسد الكفاية من له تمت آلاته. و توافت إليه أسبابه، فأما الحدث الغرير، و المنقوص الفقير، فخير مواريثه الكفاية إلى أن يبلغ التمام، و يكمل للطلب. فخير ميراث ورّث كتب و علم، و خير المورّثين من أورث ما يجمع و لا يفرّق، . و يبصّر و لا يعمي. و يعطي و لا يأخذ.
و يجود بالكلّ دون البعض. و يدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حقّ. و الرّكاز [٣]
الذي ليس للفقراء فيه نصيب، و النّعمة التي ليس للحاسد فيها حيلة. و لا للّصوص فيها رغبة، و ليس للخصم عليك فيه حجّة، و لا على الجار فيه مئونة.
٦٨-[أوجه تأليف كتب العلم]
و أما ديمقراط فإنه قال: ينبغي أن يعرف أنه لا بدّ من أن يكون لكلّ كتاب علم وضعه أحد من الحكماء، ثمانية أوجه: منها الهمّة، و المنفعة، و النسبة، و الصحّة، و الصّنف، و التأليف، و الإسناد، و التدبير، فأوّلها أن تكون لصاحبه همّة، و أن
[١] أسجل الأمر: أطلقه. الإيغار: الأرض التي ليس عليها خراج.
[٢] الأكار: الحرّاث أو الزرّاع.
[٣] الركاز: كنوز الجاهلية المدفونة تحت الأرض. النهاية ٢/٢٥٨.