الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١١ - ١٣٥- ما يدعو إلى الفساد
إلاّ كلّ مبرّز في الفطنة و متمهّل في العزيمة، طويل التجارب، فاضل العقل على قوى الشهوات. و بئس الشيء القرين السوء. و قالوا: صاحب السّوء قطعة من النار.
و باب من هذا الشكل، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه و تقفوا عنده، و هو ما يصنع الخبر السابق إلى السمع، و لا سيّما إذا صادف من السامع قلّة تجربة، فإن قرن بين قلّة التجربة و قلّة التحفّظ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقرّه دخولا سهلا، و صادف موضعا و طيئا، و طبيعة قابلة، و نفسا ساكنة؛ و متى صادف القلب كذلك، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. و متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات، في وقت الغرارة، و عند غلبة الطبيعة، و شباب الشهوة، و قلّة التشاغل؛ و كذلك متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمورهن و أمور الغلمان، و هناك سكر الشباب، فكذلك تكون حالهم. و إنّ الشّطّار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له: لا يكون الغلام فتى أبدا حتّى يصادق فتى و إلاّ فهو تكش، و التكش عندهم الذي لم يؤدّبه فتى و لم يخرّجه، فما الماء العذب البارد، بأسرع في طباع العطشان، من كلمته، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوّة، و أدنى داعية إلى المنالة. و كذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها. و أنشدنا: [من الخفيف]
فأتتها طبّة عالمة # تخلط الجدّ بأصناف اللعب
ترفع الصوت إذا لانت لها # و تناهى عند سورات الغضب
و قال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب: [من الكامل]
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل [١]
كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه أبدا لأوّل منزل
و قال مجنون بني عامر: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكّنا [٢]
١٣٥-[ما يدعو إلى الفساد]
و باب آخر ممّا يدعو إلى الفساد، و هو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل، و أدنى حركة عند مثله. و طول التداني، و كثرة الرؤية هما أصل
[١] البيتان لأبي تمام في ديوان الصبابة ١٥.
[٢] البيت لمجنون ليلى في ديوانه ٢٨٢، و البيان ٢/٤٢، و ليزيد بن الطثرية في ديوانه ١٠٩، و الحماسة الشجرية ١٤٥، و لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار ٣/٩. و تقدم في الفقرة (١٨) .