الأذكار النووية - النووي، أبو زكريا - الصفحة ٣٤٧ - باب كفارة الغيبة والتوبة منها
واعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق ، فكان إلى خيرته ، ولكن يستحب له استحبابا متأكدا الإبراء ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية ، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) [ آل عمران : ١٣٤ ] وطريقه في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكر نفسه أن هذا الأمر قد وقع ، ولا سبيل إلى رفعه ، فلا ينبغي أن أفوت ثوابه وخلاص أخي المسلم ، وقد قال الله تعالى : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) [ الشورى : ٤٣ ] وقال تعالى : ( خذ العفو . . . . ) الآية [ الأعراف : ١٩٩ ] . والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة .
١٠٥٣ - وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " [١] وقد قال الشافعي رحمه الله : من استرضي فلم يرض فهو شيطان . وقد أنشد المتقدمون :
قيل لي قد أساء إليك فلان * ومقام الفتى على الذل عار قلت : قد جاءنا وأحدث عذرا * دية الذنب عندنا الاعتذار فهذا الذي ذكرناه من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب . وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال : لا أحلل من ظلمني . وعن ابن سيرين : لم أحرمها عليه فأحللها له ، لان الله تعالى حرم الغيبة عليه ، وما كنت لأحلل ما حرمه الله تعالى أبدا ، فهو ضعيف أو غلط ، فإن المبرئ لا يحلل محرما ، وإنما يسقط حقا ثبت له ، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط ، أو يحمل كلام ابن سيرين على أني لا أبيح غيبتي أبدا ، وهذا صحيح فإن الإنسان لو قال :
أبحت عرضي لمن اغتابني لم يصر مباحا ، بل يحرم على كل أحد غيبة غيره .
١٠٥٤ - وأما الحديث : " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال إني تصدقت بعرضي على الناس " [٢] فمعناه : لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء . فأما يحدث بعده ، فلا بد من إبراء جديد بعدها ، وبالله التوفيق .
[١] وهو جزء من حديث طويل رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه .
[٢] رواه أبو داود رقم ( ٤٨٨٦ ) و ( ٤٨٨٧ ) في الأدب ، باب ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه ، وهو مرسل ضعيف . وأورده السيوطي في " الجامع الكبير " ونسبه لابن السني في " عمل اليوم الليلة " ، والديلمي عن أنس رضي الله عنه .