الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٢ - القسم الثاني التعارض بين معقولين
الرابع : أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط ، إلا أن دليل إحدى العلتين السبر والتقسيم ، والأخرى المناسبة ، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر والتقسيم يكون أولى ، لان الحكم في الفرع ، كما يتوقف على تحقق مقتضيه في الأصل يتوقف على انتفاء معارضه في الأصل ، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان المقتضي وإبطال المعارض ، بخلاف إثبات العلة بالإحالة ، فكان السبر والتقسيم أولى .
فإن قيل : وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الامر أو شبهيا لامتناع التعليل بالوصف الطروي ، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم ، حيث لم يتعرض فيه لبيانها تفصيلا ، فكان طريق المناسبة أولى قلنا : إلا أن التعرض لمناسبة الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في الأصل ، فإنه لامتناع من اجتماع مناسبين في محل واحد على حكم واحد ، ودلالة البحث والسير على مناسب في الأصل غير الوصف المشترك ، مع أن الأصل أن يكون الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن الوصف المشترك مناسب ، ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل على انتفاء معارضها .
فإن قيل : إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر ، لاحتمال أن يصدق الناظر في قوله ، وأن يكذب ، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره ، بخلاف طريق المناسبة ، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين .
قلنا : بل العكس أولى ، وذلك لان الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما هو بالكذب أو الغلط ، لعدم الظفر بالوصف ، ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا ، ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا ، أبعد من احتمال وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة .