الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٥ - القسم الثاني التعارض بين معقولين
السادس عشر : أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية ، ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة ، فما مقصوده من مكملات الضروريات ، وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه ، يكون أولى ، ولهذا أعطى حكم أصله حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره .
السابع عشر : أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين ، ومقصود الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية ، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى ، نظرا إلى مقصوده وثمرته ، من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين ، وما سواه من حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره ، فإنما كان مقصودا من أجله ، على ما قال تعالى * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( ) .
فإن قيل : بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح ، وذلك لان مقصود الدين حق الله تعالى ، ومقصود غيره حق للآدمي ، وحق الآدمي مرجح على حقوق الله تعالى مبني على الشح والمضايقة ، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة ، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه ، فالمحافظة عليه أولى من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته ، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على حق الله تعالى ، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد ، وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا ، فإنا نقتله قصاصا لا بكفره .
وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين ، حيث خففنا عن المسافر بإسقاط الركعتين ، وأداء الصوم ، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء الصوم ، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين ، حيث جوزنا ترك الجمعة والجماعة ، ضرورة حفظ أدنى شئ من المال ، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين ، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح .
قلنا : أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام ، فهي متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر ، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف