الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٦٩ - الأولى هل كان النبي متعهدا بالاجتهاد
كيف ويحتمل أنه أراد به الإرث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة ، كما كان الأنبياء مبلغين للمبعوث إليهم ، ويحتمل أنه أراد به الإرث فيما كان للأنبياء في حفظ قواعد الشريعة .
وأما الوجه الأول من المعقول ، فالثواب فيما عظمت مشقته وإن كان أكثر ، ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام ، وإلا لما ساغ له الحكم إلا بالاجتهاد ، تحصيلا لزيادة الثواب ، وهو ممتنع ، واختصاص علماء الأمة بذلك دون النبي عليه السلام ، لا يوجب كونهم أفضل من النبي ( ص ) مع اختصاصه بمنصب الرسالة ، ورتبة النبؤة ، وتشريفه بالبعثة ، وهداية الخلق بعد الضلالة على جهة العموم .
وأما الوجه الثاني ، وإن كان النبي عليه السلام ، أشد علما من غيره بمعرفة القياس ، وجهات الاستنباط ، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة الحكم بالوحي . وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه ، عليه السلام ، فلا مشروط ، وهذا بخلاف علماء أمته ، فافترقا .
وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد ، غير أنه معارض بما يدل على عدمه .
وبيانه من جهة الكتاب والمعقول ، أما الكتاب فقوله تعالى * ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) * ( النجم : ٣ - ٤ ) وقوله تعالى * ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) * ( يونس : ١٥ ) وذلك ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد .
وأما المعقول فمن عشرة أوجه :
الأول أن النبي عليه السلام ، نزل منزلا ، فقيل له إن كان ذلك عن وحي ، فالسمع والطاعة ، وإن كان ذلك عن رأي ، فليس ذلك منزل مكيدة . فقال : بل هو بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي ، وقد علم أنه لا تجوز مراجعته