الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٢ - الثالثة تفصيل القول فيمن يستفتيه العامي
المسألة الثالثة القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي ، اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم ، وأهلية الاجتهاد ، والعدالة ، بأن يراه منتصبا للفتوى ، والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه ، وعلى امتناعه فيمن عرفه بالضد من ذلك .
واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة .
والحق امتناعه على مذهب الجمهور ، وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول .
ولا يخفى أن احتمال العامية قائم ، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم والاجتهاد ، نظرا إلى أن الأصل عدم ذلك ، وإلى أن الغالب إنما هو العوام ، وأن اندراج من جهلنا حالة تحت الأغلب ، أغلب على الظن . ولهذا ، امتنع قبول قول مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه .
فإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي ، فلا يخلو :
إما أن يقال إنه يجب عليه البحث عن عدالته ، أو لا يجب :
فإن قيل بالأول ، فهو خلاف ما الناس عليه في العادة من غير نكير .
وإن قيل بالثاني ، فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة ، وعند ذلك ، فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه .
وعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع الجهل بالعلم ، أو لا يلزم :
فإن لم يلزم ، فما الفرق ؟ وإن لزم فهو المطلوب .
قلنا : لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا ، فلا بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين .
وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك ، فالفرق ظاهر ، وذلك لان الغالب من حال المسلم ، ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد ، إنما هو العدالة ، وهو كاف في إفادة الظن ، ولا كذلك في العلم ، لأنه ليس الأصل في كل إنسان أن يكون عالما مجتهدا ، ولا الغالب ذلك .