الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٤١ - القاعدة الرابعة في الترجيحات
وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر والدليل المرجوح ظاهر ، فجاز العمل به .
وأما المعقول فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة ، والترجيح غير معتبر في البينات ، حتى إنه لا تقدم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين .
قلنا : أما الآية فغايتها الامر بالنظر والاعتبار ، وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالترجيح ، فإن إيجاب أحد الامرين لا ينافي إيجاب غيره .
وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر ، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه على الآخر ، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من جهة مخالفته للراجح ، فلا يكون ظاهرا فيه .
وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة ، بل عندنا يقدم قول الأربعة على قول الاثنين ، على رأي لنا .
وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة ، فإنما كان لان المتبع في ذلك إنما هو إجماع الصحابة . وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض الأدلة ، دون باب الشهادة .
وأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات . وهي تنقسم إلى قطعي وظني .
أما القطعي فلا ترجيح فيه ، لان الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر . والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان ، فلا يطلب فيه الترجيح ، ولأن الترجيح إنما يكون بين متعارضين ، وذلك غير متصور في القطعي ، لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني :
الأول محال ، لأنه يلزم منه إما العمل بهما ، وهو جمع بين النقيضين في الاثبات ، أو امتناع العمل بهما ، وهو جمع بين النقيضين في النفي ، أو العمل بأحدهما دون الآخر ، ولا أولوية مع التساوي .
والثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع ، وامتناع طلب الترجيح في القاطع .
كيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح ، فلم يبق سوى الطرق الظنية .