الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦٤ - الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات القسم الأولى في التعارض الواقع بين منقولين
إنما يقصد بها مصالح المكلفين ، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في الفعل الأخف ، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولأن الغالب على الظن إنما هو تأخره عن الأخف ، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء ، فإن من قصد تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه بل بما هو أعلى منه ، فبتقدير تقدم الأخف على الأثقل يكون موافقا لنظر أهل العرف ، فكان أولى ، ولأن زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود الأخف ، فالمحافظة عليه تكون أولى .
الحادي عشر : أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى ، لكونه أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل ، ولهذا كان مختلفا فيه ، ومتفقا على مقابله .
وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج .
الأول : منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر ، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو عقل أو حس ، والآخر على خلافه ، فما هو على وفق الدليل الخارج أولى ، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله ، ولأن العمل به ، وإن أفضى إلى مخالفة مقابله وهو دليل واحد ، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين .
الثاني : أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة ، أو الأئمة الأربعة أو بعض الأمة بخلاف الآخر ، فما عمل به يكون أولى ، أما ما عمل به أهل المدينة فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل ، وكذلك الأئمة والخلفاء الراشدون ، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ما سبق تعريفه وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض ، وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الأمة يكون أغلب على الظن ، فكان أولى