الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦٢ - الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات القسم الأولى في التعارض الواقع بين منقولين
قلنا : إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه ، فالمثبت يكون رافعا لحكم تأسيسي ، وهو الباقي على الحال الأصلي وزيادة ما حصل من النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا ، فإنه لا يرفع غير التأسيس ، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى رفع الامرين معا ، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق ، والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي . والغالب من الشارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي ، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته ، وإنما هو مقصود لحكمته ، لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات ، وإن كانت مقصودة ، فكذلك حكمة النفي ، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير ، وعلى هذا ، فالحكم للنفي الأصلي يكون أولى من المغير .
الخامس : أن يكون حكم أحدهما معقولا ، والآخر غير معقول ، فما حكمه غير معقول ، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث ، إلا أن مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول ، نظرا إلى سهولة الانقياد وسرعة القبول ، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى . ولهذا ، كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول ، حتى إنه قد قيل إنه لا حكم إلا وهو معقول ، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير معقول ، ولأن ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية والالحاق أكثر منه في غير المعقول ، فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما يأتي وجه التفصيل فيه في العلل ، فهو أولى .
السادس : أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر ، كموجب الجلد مع الموجب للجلد والتغريب ، فالموجب للزيادة يكون أولى ، لان العمل بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب الزيادة ، وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل ، أولى مما يفضي إلى الابطال ، ولأن دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ ، ووجوب