الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٩ - السادسة تعادل الأدلة العقلية الخ
وإن سلمنا امتناع ذلك ، فما المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير بأن يعمل المكلف بما شاء منهما ، إن شاء أثبت ، وإن شاء نفي .
قولهم : إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد .
قلنا : متى إذا ترجح في نظره إحدى الامارتين ، أو إذا تعادلتا ؟
الأول مسلم ، والثاني ممنوع ، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي ، نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير ، كما في خصال الكفارة ، أو كما في التخيير بين إخراج الحقاق ، وبنات اللبون ، عندما إذا اجتمع في ماله مائتان من الإبل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حق فإنه إن أخرج أربع حقاق ، فقد عمل بالنص ، وإن أخرج خمس بنات لبون ، فقد عمل بالنص .
قولهم : إن التخيير إباحة للفعل والترك ، وهو عمل بأمارة الإباحة ، وترك للامارة الوجوب - قلنا : إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك مطلقا ، وليس كذلك .
وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين ، مشروطا بقصد العمل بدليله ، كما في التخيير بين القصر في السفر والاتمام ، بشرط قصد العمل بدليل الرخصة ، أو دليل الاتمام .
قولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين ، والمفتي للعامي ، بين الحكمين المتناقضين ، ليس كذلك ، بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل بإحدى الامارتين عند الحكم والفتوى ، فلا بد من تعين ما اختاره ، دفعا للنزاع بين الخصوم ، وللتحير عن المستفتى .
وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه ، فغير ممتنع ، كما لو تغير اجتهاده .
وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد ، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم عليه واحدا ، لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح و الانتفاع بالملك في وقت ، وتحريمه عليه في وقت آخر . وإن سلمنا امتناع التخيير ، فما المانع من ترك العمل بهما ، والقول بتساقطهما .
قولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين . إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي الحل والإباحة . وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك ، فلا .