الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٩ - السادس عشر سؤال التركيب
فقال الشافعي : عضو من أعضاء الوضوء ، فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء ، فكل واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه ، وليس في ذلك ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما ، فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب الآخر ، لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك ، وهو وجوب الاستيعاب .
نعم لو كان القائل في المسألة قائلان ، والاتفاق منهما واقع على نفي قول ثالث ، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لابطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه ، ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث . وذلك كالحكم بالأولوية في مسألة التخلي للعبادة .
وإن كان من القسم الثالث ، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب : عقد معارضة ، فيصح مع الجهل بالمعوض ، كالنكاح ، فقال الشافعي : عقد معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح .
فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لابطال مذهب المستدل في القول بالصحة صريحا ، بل بطريق الالتزام . وذلك أن من قال بالصحة ، فقد قال بخيار الرؤية .
فخيار الرؤية لازم الصحة . فإذا بطل خيار الرؤية ، فقد انتفى اللازم ، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم . ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب التسوية ، ومثاله قول الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل : مائع طاهر مزيل للعين والأثر ، فتحصل به الطهارة كالماء ، فيقول الشافعي : مائع طاهر مزيل للعين والأثر فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء ، فإنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث ، والحكم بالتسوية .
واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل ، ولا يدل له ، ثم يليه النوع الثاني ، وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه ، وأعلى مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض ، وهو القسم الأول منه ، ثم ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم منه تصحيح مذهبه على ما تقدم ، وهو القسم الثاني منه ، ثم القسم الثالث ، فإنه وإن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل ، إلا أنه يدل عليه بطريق الالتزام ، وما قبله بصريحه ،