الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١١ - السادس عشر سؤال التركيب
الاعتراض الخامس والعشرون - سؤال القول بالموجب وحاصله يرجع إلى تسليم ما اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه .
ومهما توجه على هذا الوجه ، كان المستدل منقطعا ، لتبين أن ما نصه من الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع ، وهو منحصر في قسمين . وذلك لان المستدل إما أن ينصب دليل على تحقيق مذهبه ، وما نقل عن إمامه من الحكم ، أو على إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه .
فإن كان الأول ، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب جواز استيفاء القصاص ، فكان استيفاؤه جائزا . فقال الخصم : أقول بموجب هذا الدليل ، فإن استيفاء القصاص عندي جائز . وإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم .
وإن كان الثاني ، فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الأب جارية ابنه :
وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين ، أو قال في مسألة القتل بالمثقل : التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص ، كالتفاوت في المتوسل إليه .
فقال الخصم : أقول بموجب هذا الدليل ، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب المهر ، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه . والنزاع إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص ، ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب المهر والقصاص ، لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر ، أو فوات شرط .
وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع الأول ، من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الاحكام ، لكثرة المدارك وتشعبها وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها ، بخلاف الاحكام ، فإنه قلما يتفق الذهول عنها .
ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الامام الخواص والعوام ، دون معرفة المدارك ، فكان احتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك الامام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الامام من الحكم المدلول عليه .