الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٨ - الثامنة الخلاف في استفتاء العامي غير من استفتاه أولا
لا غير . ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين ، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له ، مع وجود الأفضل ، ولو كان ذلك غير جائز ، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه ويتأيد ذلك ، بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى .
المسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث ، وعمل بقوله فيها ، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره .
وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر ؟ اختلفوا فيه :
فمنهم من منع منه ، ومنهم من أجازه ، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة ، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك ، ولو كان ذلك ممتنعا ، لما جاز من الصحابة إهماله ، والسكوت عن الانكار عليه ، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها ، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى .
وأما إذا عين العامي مذهبا معينا ، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره ، وقال : أنا على مذهبه ، وملتزم له ، فهل له الرجوع إلى الاخذ بقول غيره في مسألة من المسائل ؟
اختلفوا فيه : فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له ، ومنع من ذلك آخرون ، لأنه بالتزامه المذهب صار لازما له ، كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة . والمختار إنما هو التفصيل ، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها ، فليس له تقليد الغير فيها ، وما لم يتصل عمله بها ، فلا مانع من اتباع غيره فيها