الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٨ - الثانية الخلاف بين القائلين بالتعبد بالقياس
سلمنا أنه عن موافقة ، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة . وكيف يقال بذلك وقد عدلوا عما أمروا به ، ونهوا عنه ، وتجبروا وتآمروا وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم الفاسدة . حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب ، وتألبوا على أهل البيت ، وكتموا النص على علي ، رضي الله عنه ، غصبوه الخلافة ، ومنعوا فاطمة إرثها من أبيها ، المنصوص عليه في كتاب الله ، برواية انفرد بها أبو بكر ، وعدلوا عن طاعة الامام المعصوم ، المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع الأحكام الشرعية ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز معها الاحتجاج بأقوالهم . وهذا السؤال مما أورده الرافضة .
سلمنا أن قول البعض بالقياس ، وسكوت الباقين حجة ، لكنها حجة ظنية ، على ما سبق في الاجماع . وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم ، فلا يكون مستفادا من الدليل الظني .
سلمنا صحة الاحتجاج به ، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص على علته ، ونحن نقول به ، كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني .
سلمنا عملهم بكل قياس ، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة ، جاز ذلك لمن بعدهم ، وذلك لان الصحابة ، لما كانوا عليه من شدة اليقين ، والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل ، وكثرة التحفظ في أمور دينهم ، حتى نقل عنهم قتل الاباء والأبناء ، وبذل الأنفس والأموال ، ومهاجرة الأهل والأوطان في نصرة الدين ، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب والسنة ما لم يرد مثله في حق غيرهم ، على ما ذكر في الاجماع . وعند ذلك ، فلا يلزم من جواز عملهم بالقياس ، جوازه لغيرهم .
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس ، وأنا متعبدون به ، لكنه معارض بالكتاب والسنة .
أما الكتاب فقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) * ( الحجرات : ١ ) والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله ، لأنه حكم بغير قوليهما .
وقوله تعالى : * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * ( البقرة : ١٦٩ ) وقوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ( الاسراء : ٣٦ ) والحكم بالقياس قول بما لا يعلم .