الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦٥ - الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات القسم الأولى في التعارض الواقع بين منقولين
وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل ، غير أن ما عضد أحدهما راجح على الآخر ما عضد الآخر ، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الأمة ، غير أن من عمل بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل ، فيكون أولى .
الثالث : أن يكون كل واحد منهما مؤولا ، إلا أن دليل التأويل في أحدهما أرجح من دليل التأويل في الآخر ، فهو أولى ، لكونه أغلب على الظن .
الرابع : أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة ، والآخر على الحكم دون العلة ، فما يدل على العلة يكون أولى ، لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد وسهولة القبول ، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة دلالته على العلة ، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى ، ولأن العمل به يلزمه مخالفة ما قابله من جهة واحدة ، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة الدليل الآخر على الحكم من جهتين ، فكان أولى ، وربما رجح ما لم يدل على العلة من جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم ، إلا أنه مرجوح بالنظر إلى مقصود التعقل ، ولذلك كان هو الأغلب .
الخامس : أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة ، إلا أن دلالة أحدهما على العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم ، فالأقوى يكون أولى ، لكونه أغلب على الظن .
السادس : أن يكونا عامين ، إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر ، وعند ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص ، أو بالنسبة إلى غير ه : فإن كان الأول ، فالوارد على ذلك السبب يكون أولى ، لكونه أمر به ، ولأن محذور المخالفة فيه ، نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه يكون أتم من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر ، لكونه غير وارد فيها .
وإن كان الثاني ، فالعام المطلق يكون أولى لان عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها ، نظرا إلى بيان ما دعت الحاجة إليه ، وإلى أن الأصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض البيان لما مست إليه الحاجة ، ولأن ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه عند القائلين بالعموم ، بخلاف مقابله ، وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام المطلق يكون أشد .