الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٣ - الخامسة رأي المخطئة والمصوبة في المسائل الظنية الفقهية
وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام ، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى ، مع اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا ، كما بيناه قبل . فلو كان فيهم مخطئ ، لما كان الاقتداء به هدى ، بل ضلالة .
وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض ، من غير نكير منهم على ذلك ، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام ، ولم ينكر عليهم منكر . ولو تصور الخطأ في الاجتهاد ، لما ساغ ذلك من الصحابة ، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي الزكاة ، وكل منكر أنكروه .
وأما من جهة المعقول ، فمن سبعة أوجه .
الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله تعالى عليه دليلا قاطعا ، دفعا للاشكال ، وقطعا لحجة المحتج ، كما هو المألوف من عادة الشارع في كل ما دعا إليه ، ومنه قوله تعالى * ( رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * ( النساء : ١٦٥ ) وقوله تعالى * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) * ( إبراهيم : ٤ ) وقوله تعالى * ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) * ( طه : ١٣٤ ) ولو كان عليه دليل قاطع ، لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم ، كالمخالف في العقليات .
الثاني : أنه لو كان الحق في جهة واحدة ، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد من العلماء ، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده ، وليس كذلك . وحيث خير في التقليد دل على التساوي بين المجتهدين ، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة التساوي .
الثالث : أنه لو كان الحق في جهة واحدة ، لوجب نقض كل حكم خالفه ، كما قاله بشر المريسي والأصم . وحيث لم ينقض دل على التساوي .