مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٧ - المقدمة الثانية فى التقدم و التأخر و المعية
و الأولية [المكانية]، لن تكون إلا للمفارقات.
و الرب تعالى هو الأول بلا أول كان قبله، الآخر بلا آخر يكون بعده.
فهو الأول و الآخر، أى ليس وجوده زمانيا. و الظاهر و الباطن، أى ليس وجوده مكانيا.
و أمثال هذه المتناقضات لفظا، متفقة فى حقه تعالى معنى.
و الزمان و المكان توأمان تراكضا فى رحم واحد، و ارتضعا من ثدى واحد، و لوعى عليهما[١] فى مهد واحد.
فاضرب الدهرى بالجسمى، و الجسمى بالدهرى، و اطلب دين اللّه تعالى من الغالى و المقصر[٢]، و جلال اللّه تعالى/ ٣٤ ب فوق الأوهام و العقول، فضلا عن المكان و الزمان.
و حيث ما اشتقت العبارة باستعارتها فى آفاق الفكر الجائل فى عرصات المطلوب، صار ما يرام وضوحه غامضا، و ما يتمنى فيضه غائضا. و كلت الآلة، و ضلت الحالة، و عاد العقل الإنسانى عنده هباء، و الجبلّة استحالت عفاء.
فلا وجه بعد هذه المعانى التي طلعت عليها شمس العظمة فطبختها فى أمواج البحار، و سيحتها فى أدراج الرياح، إلا الركون إلى الشرع الطاهر
[١]مكتوبة فى الأصل: عليها.
[٢]جاء فى عيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ٣٢٦ أنه كان يقال: «دين اللّه بين المقصر و الغالى».