مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨٣ - و أما النقض و الإلزام عليه
و بكفينى من حكم النظر تحقيق المطالبة الحاقة دون المثال، لكنى أوردت المثال احترازا عن وصمة المراء و الجدال.
على أني أتخطى عنه قليلا فأقول: إن كان تغير المعلوم أوجب تغير العلم، فتكثر المعلوم يوجب تكثر العلم، حتى يلزم أن تتكثر الذات بتكثر المعلومات، أو يتحد معلومه حتى لا يعلم إلا معلوما واحدا كما لم يبدع الا عقلا واحدا. و يتوسط بعلم سائر/ ٢٧ ب المعلومات على اللزوم و الاستتباع كما بتوسط مبدع [واحد يوجد] سائر الموجودات على اللزوم و الاستتباع.
و على هذا الاعتبار سقط الحكم بأنه يعلم الكليات، بل ليس يعلم بالذات إلا معلوما واحدا.
و إذا كان وجود العقل الأول من لوازم وجوده بذاته و تعقله ذاته، كان عاقلا بذاته لذاته فقط، و صار المعلول الأول من اللوازم فى العلم كما هو من اللوازم فى الوجود، فلا يعلم إلا ذاته فقط.
أبصر كيف ارتقى درجة العلم عن الجزئى إلى الكلى ثم إلى العقل الأول ثم إلى ذات واجب الوجود! و هذا بعينه مذهب قدماء الفلاسفة: أن العقل الأول يعقل ذاته بذاته فقط، و إنما يعقل العقل الأول و ما بعده من الموجودات على اللزوم، فلا يعقل الكليات من حيث أنها كليات لأنه يتكثر بتكثرها، و لا الجزئيات من حيث أنها جزئيات لأنه يتغير بتغيرها.
و علمه أعلى من أن يكون كليا أو جزئيا أو يعلم به عن ذاته الأعلى.
و أما قول ابن سينا: و لا يجوز أن يعلم الأشياء من الأشياء/ ٢٨ أ و إلا كان علمه انفعاليا.
أقول: و هذه المسألة بينهم و بين المتكلمين أنه يعلم الأشياء قبل كونها أو مع كونها أو بعده، و أن العلم يتتبع المعلوم، فيتبين المعلوم على ما هو به أو المعلوم يتبع العلم، و أن المعلوم هل يجب أن يكون شيئا حتى يعلم و يخبر عنه أم لا يجوز أن يكون شيئا؟ فعلى مذهب الرجل علم واجب الوجود علم فعلى، أعنى به أنه سبب وجود المعلوم، و يلزم أنه لا يعلم ذاته، إذ لا تكون ذاته. أو يلزم أن يكون علمه بالنسبة إلى الأشياء علما فعليا، و علمه بذاته علما انفعاليا، و حينئذ لا يكون علمه بذاته ذاته، و لا يكون علمه بذاته علم بالأشياء.
فتاللّه من حيرة على حيرة، «و من لم يجعل اللّه له نور [ا] فما له من نور».
المعتقد [الثاني]: أن الأنبياء عليهم السلام تنكبوا هذه المسالك فى مناهجهم و منعوا الناس من الخوض فى جلال اللّه عز و جل و الجدال عليه و التكلم فى صفاته [و امتلأت] كنتهم و اشتهر قولهم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض و لا فى السماء، و أنه أعلم السر