مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٤ - الفصل الاعتراض عليه من جهة التناقض فى كلامه


و قد قال بعض الحكماء الغناء الأكثر لمن له الخلق و الأمر، جل ربنا و تعالى أن يوصف بالتمام فضلا عن أن يوصف بالنقص، فهو متعم كل تام و مكمل كل ناقص. فان عنى بالتمامية أنه المتمم لكل تام، فهو صحيح. لكنه يجب أن يطرد هذه القضية فى كل صفة حتى فى الوجود، فيقول: هو موجود بمعنى أنه موجد كل موجود، و واجب الوجود بمعنى أنه موجب كل وجود، و عالم بمعنى أنه معلم كل عالم و قادر بمعنى أنه مقدر كل قادر، و ليس ذلك على منهاج الرجل. و لو كان ذلك مذهبه، لما قضى بعموم الوجود و شموله، و حكم أن الوجود من الأسماء المشتركة المختصة كما بيناه قبل/ ٩٣.

و ما ذكره أنه واحد من جهة أن حده له، و واحد من جهة أنه لا ينقسم، كل ذلك وحدات لواحد واحد من مخلوقاته تعالى، و سلبها عنه و ايجابها له، نقص/ ٩٤.

و لناهية اما أن تكون ماهية مشتركة كالحيوان للانسان و الفرس و الحمار، أو ماهية خاصة غير مشتركة كالإنسان، فلا اشتراك فى وجود واجب الوجود و لا خصوص.

فما بال الرجل يستعمل لفظ الماهية و النوعية فى كل ورد و صدر، و هو لا يعتقدها حقيقة، و لم يقرر للمفارقات ماهيات مركبة من أجناس و فصول، بل ذكر تمايزها بحقائقها البسيطة غير المركبة، فكيف أو هم فى حق واجب الوجود بالماهية و النوعية و اثبات الجنسية و الفصلية/ ٩٥؟ و ما ذكر من البرهان على أنه مستند الممكنات، فهو صحيح لا بأس به و لا اعتراض عليه، غير أنه ضبط على الناظر بذكر أقسام هو مستغنى عنها، أراد بها الكشف و البيان، فزاد بها الليس و التعمية. و العلم نقطة كثرها الجهال.

و أما قوله ان الواحد لا يصدر/ ٩٦ عنه الا الواحد. يقال له: ما المعنى بالصدور عنه؟ أ تعني بالصدور الايجاد، أم تعنى به الايجاب؟ فان الايجاد اعطاء الوجود و الايجاب اعطاء الوجوب.

و الممكن بذاته، فانما يحتاج الى الواجب بذاته فى استفادة الوجود لا الوجوب، فالوجوب يلزم الوجود، [و الوجود] لا يلزم الوجوب، و سنعود الى تقرير ذلك فى مسألة حدوث العالم.

و ما ذكر أن/ ٩٧ صدور الفعلين المختلفين فانما يكون من وجهين مختلفين، مصادرة على المطلوب، و لا يبقى له الا انكار محض و استبعاد صرف.

و أمكنا تقرير ذلك فى الطبيعيات، اذ قد صدر حرارة و برودة من شى‌ء واحد من وجه واحد، و لكن من جوهرين مختلفين. و كذلك يصدر سواد و بياض من الشمس فى مائتين، و جمود و ذوب فى جسمين، فكيف فى الجواهر العقلية؟!/ ٩٨.