مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١ - المسألة الثانية فى وجود واجب الوجود

وهب أن معناه أمر سلبى، فليس سلبا مطلقا، بل سلب شى‌ء من شأنه أن يتحقق، و هو يصلح للتمييز، و به يحصل التكثر.

ودع ما قيل إن السلوب و الإضافات لا توجب تكثيرا فى الذات، فإنهم أخذوا القضية مسلمة، و ليس الأمر كذلك على ما سيأتى تفصيله.

و أما قوله: إن التمييز بين الوجود و الوجوب/ ١٥ ب بالعموم و الخصوص، أمر اعتبارى فى الذهن لا فى الوجود، فتسليم ظاهر الإلزام فإن التمايز بين معنى الجنسية و معنى الفصلية، لا يكون إلا فى الذهن.

فليس فى الوجود حيوان هو جنس، و ناطق هو فصل، بل هما اعتباران فى الذهن لا فى الخارج.

و كيف يحصل أمر كلى فى الوجود، و لا كلى إلا فى الذهن‌[١]؟! و أنت تعرف أن اللونية و البياضية اعتباران عقليان فى الذهن لا فى الخارج‌


[١]يرى الشهرستانى أن الوجود الكلى لا يتم الا فى الذهن، اما الواقع فهو للوجود الجزئى. و لا يمكن أن يتحقق موجود كلى فى الأعيان. فالإنسانية معنى كليا، و هو عبارة عن تجريدات ذهنية لكائنات جزئية متحققة فى الواقع المادى العينى. هذه الموجودات هى- مثلا- زيد و عمرو و زينب و خديجة، فلا وجود لزيد فى الأذهان، و انما وجوده فى الأعيان، و لا وجود لمعنى الإنسانية كمعنى كلي، الا فى الأذهان.

(انظر نهاية الاقدام فى علم الكلام للشهرستانى ص ١٤٤ و ما بعدها، و انظر أيضا كلام تاج الدين فى الحال فى نفس الكتاب ص ١٣١- ١٣٣).

و قد شغلت فكرة الكلى و الجزئى أذهان المفكرين و الفلاسفة منذ القدم، و كانت موضع بحث من أفلاطون و أرسطو- و هما من أقطاب الفلسفة اليونانية- كما كانت موضع بحث من فلاسفة المسلمين و متكلميهم، و موضع بحث من المحدثين و المعاصرين كذلك.