مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٦ - المقدمة الثانية فى التقدم و التأخر و المعية
فإذا لم يكن معه شىء بوجه من وجوه المعية، كان تعالى متقدما على كل شىء بكل وجه من وجوه التقدم.
و لا يجوز أن يقال: واجب الوجود يتقدم على ممكن الوجود بالذات، و يكون معه بوجه آخر، كتقدم السراج على الضوء، و تحرك اليد على تحرك الخاتم. فان الشىء قد يتقدم على الشىء بالذات و يكون معه بالزمان كالمثالين المذكورين. فان وجودهما زمانى، و لا يجرى فى حق البارى تعالى، فانه يتقدس عن الزمان.
و لا يجوز أن يتقدم بالذات و يقارن بالزمان، و لا أن يقارن بالوجود، فإنا قد بينا أن الموجد يتقدم على الموجد فى الوجود.
و لهذا قالوا: الوجود للّه تعالى أولى و أول.
فأسفر وجه المسألة كفلق الصبح، و تبين مثار الشبهة، و عاد الخلاف إلى أن حوادث لا أول [لها] محصورة بالوجود معا أو متعاقبة متتالية، مستحيل الوجود. و قد بينا ذلك بما فيه مقنع.
و من الموجودات العلوية مفارقات للمادة، مجردات عن الهيولى، قد نشأت عن الأحياز المكانية و الأحوال الزمانية/ ٣٤ أو الأعراض الجسمانية، لها مبدأ ذاتى و أول وجودى، ابتدعها البارى تعالى بقدرته ابتداعا، و اخترعهم فى مشيئته اختراعا. و هى مظاهر الكلمات التامات الطاهرات الزاكيات، و الكلمات مصادرها، و ما دونها الكواكب و الأفلاك المتحركات التي هى هياكل تلك الروحانيات.
فإنما يبتدئ الدهر و الزمان حيث حدوث الحركة، و إنما تبتدئ الحركة منها حيث الشوق الطبيعى، و النزاع الطلبى إلى كمالاتها.
فالأولية الزمانية، لن تكون إلا للمتحركات.