مصارعه الفلاسفه - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨٢ - و أما النقض و الإلزام عليه
الأشخاص إلى النوع، لأن النوع لا يمكن أن يوجد بنوعيته ثم توجد الأشخاص، و يمكن أن يعقل بنوعيته ثم يعقل الأشخاص. و هذا فرق بين الابداع و التعقل.
و أما قوله: بل يعقل كل شىء على وجه كلى و لا يعزب عنه شىء جزئى.
أقول: لما علم أن العلم بالجزئيات يتغير بتغير الجزئيات، و العلم بالكائنات الفاسدات كذلك، تخلص بالفرار إلى إثبات العلم بالكليات ثم الجزئيات تدرج تحت الكليات ضرورة و تبعا. و مثال ذلك: العلم بأن يكون كسوف معين فى وقت مخصوص، لا يكون علما بالكائن فى وقت الكسوف و لا بالذى مضى من الكسوف، فلا بد و أن يتغير العلم بتغير المعلوم أو يكون علم آخر غير العلم الأول/ ٢٨ ب لكن العلم بأن القمر إذا كان فى برج كذا و الشمس فى مقابلته فى برج مع سائر الأسباب التي توجب الكسوف، فلا بد و أن يكون كسوف.
فهذا علم كلى لا يتغير، و هو قبل الكسوف و حال الكسوف و بعده على وتيرة واحدة. فظن ابن سينا أنه بمثل هذا المثال يتخلص عن إلزام التعين. و لا خلاص و لات حين مناص.
فلينعم المجلس العالى فى الالزامات التي أوردتها عليه، و المطالبات التي خنقته بها، فيعلم أن جميع ما عول عليه مسلمات مشهورة لا يقينيات، و القضايا المشهورة لا تنتج اليقين.
فأقول: توجهت عليه المطالبة باثبات كونه تعالى عالما من طريق المتكلم، فانه يستدل بالاحكام و الاتقان فى الجزئيات، و أنت لا تقول إنه يعلم الجزئيات إلا تبعا و ضرورة و هو لا يصح للاستدلال به فان من طبع خاتما منقوشا على شمعة، فظهر فيها النقش، لم يستدل بحسن النقش على علم الطابع. و لربما لا يكون علما بالنقش بل النقش قد جعل منه ضرورة و تبعا للطبع، و الناقش غير/ ٢٩ أ الطابع. فأنت بعد فى مقام المطالبة من طريقتك.
و نتخطى عنه فى البيان قليلا، و نقول: سلمت كونه عالما أى عقلا و عاقلا، و قلت صدقت. فقلنا: فلم قلت إن العلم على وجهين: كلى و جزئى. و إذا لم يجز أن يكون جزئيا، يجب أن يكون كليا.
و ما أنكرت على من يثبت علما وراء القسمين. و هذا كمن يقول: العلم إما تصور و إما تصديق.
فيقال: إن علم واجب الوجود ليس بتصور و لا تصديق.
أو يقال: العلم أولى و مكتسب.
فيقال: بم تنكر عمل من يثبت علما غير أولى و لا مكتسب؟