علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨

و اشتغل بالتأليف و التعليم و إرشاد العوام و الخواصّ. و يظهر من التأمّل في سيرته أنّه سار مراحل ثلاث:

ففي المرحلة الاولى اشتغل بتحصيل المقدّمات و العلوم الظاهرية إلى أن بلغ رتبة الاجتهاد فيها، و ذلك حين اشتغاله بالتعلم في مولده كاشان ثم رحلته إلى أصبهان و شيراز.

و المرحلة الثانية تبدأ من حين رجوعه من شيراز، حيث لم ير فيما حصّله في المرحلة الاولى رواء غلّته و شفاء علّته؛ فأخذ بعد ما أحكم العلم الظاهر يتفحّص عمن عنده شي‌ء من علم الباطن؛ و إن كان من أول أمره أيضا راغبا في ذلك سائلا عنه، إلا أنه لم يكن فيه مجدّا إلى ذلك المقدار، فسافر في البلاد و طاف الديار حتّى وصل- كما قال- في قم إلى صدر المتألهين الشيرازي، فأقام عنده سنين مشتغلا بالرياضات و تحصيل علم الباطن، و كان في هذه الأوان ذا شوق و اهتمام و جدّ، يكتب و يقول و يصرح بمكنوناته و يبتهج بها؛ و هذه المرحلة ابتدأت من رجوعه من شيراز إلى أصبهان ثم رحلاته إلى البلاد و إقامته في قم و رجوعه مع صدر المتألهين إلى شيراز و رجوعه بالأخير و بعد فوت صدر المتألهين إلى مولده كاشان و بقائه فيها مدة.

و المرحلة الثالثة تبدأ من هذا التأريخ بعد ما تكامل و حصّل العلوم و التجارب الضروريّة في العلم و العمل، و نال من العوام و الخواصّ من معاصريه ما نال، فرأى النجاة و الراحة في الإعراض عن الخلق باطنا و الكون معهم ظاهرا، و الإقبال على الاهتمام بالنفس عملا و التمسك بالثقلين و التفكر فيهما علما، و في هذه المرحلة نراه عالما عارفا معتدلا، بلا إفراط و لا تفريط، يراعي الظاهر و الباطن، يعيش مع الخلق و يكتب لهم و يهديهم في الظاهر، و لا يختلط بهم و ينعزل عنهم و يستمر مسيره في الباطن.

هذا ما نستنتجه من التأمّل في سيرة المترجم له قدس سره- العلمية و العملية- و لنستمع إلى ما كتبه في رسالته «شرح الصدر» حيث شرح فيها قسما من سيرته و سوانح أيّام حياته، قائلا أنّه «لمّا لم يجد أحدا يظهر له ما في قلبه من عقد المكاره، رأى أن يكتب ذلك بمعونة القلم في أوراق ينفّس بها كربته؛ و الرسالة مؤلّفة في سنة (١٠٦٥) حين كان في الثامنة و الخمسين من‌