علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦
القلب، فينشرح، فيشاهد الغيب و ينفسح، فيحتمل البلاء و يحفظ السرّ؛ و علامته التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود، و التأهّب للموت قبل نزوله؛ و يسمّى بالعلم اللدنّي، أخذا من قوله سبحانه: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [١٧/ ٦٥]؛ و هو أفضل العلوم و أعلاها، بل هو العلم حقيقة؛ و ما عداه بالإضافة إليه جهل، و هو المقصد الأقصى من الإيجاد.
و التقليديّ تلقّي بعض مسائل هذا العلم من صاحب الشرع على قدر الفهم و الحوصلة- كمّا و كيفا- ثم التديّن به.
و قسم يقصد للعمل ليتوسّل به إلى ذلك النور، و هو العلم بما يقرّب إلى اللّه تعالى و ما يبعّد منه من طاعات الجوارح و معاصيها و مكارم الأخلاق و مساويها، و هو تقليد كله لصاحب الشرع إلا ما لا يختلف فيه العقول منه. و له التقدّم بالنسبة إلى التحقيقيّ الأول لأنّه الشرط فيه ...».
« [١] و هذا العلم يجب أن يكون مكنونا عن كلّ ذي عمه و جهل، مضنونا عمّن ليس له بأهل؛ إذ كلّ أحد لا يفهم كلّ علم، و إلا لفهم كلّ حائك و حجّام ما يفهمه العلماء من دقائق العلوم؛ فكما أنّهم لا يفهمون، فكذلك علماء الرسوم لا يفهمون أسرار الدين و لا يحتملون، و إن كانوا مدقّقين فيما يعلمون، و لهذا أكابر الصحابة- رضي اللّه عنهم- يكتم بعضهم علمه عن بعض ...
و ذلك لأنّ أسرار العلوم- على ما هي عليه- لا تطابق ما يفهمه الجمهور من ظواهر الشرع ...».
و قال في الاصول الأصيلة [٢] بعد ما بيّن طريق أهل التحقيق و الكشف في العلم: «و كما أنّ الأئمّة عليهم السّلام كانوا يكتمون جواهر علومهم عن غير أهلها و يستعملون التقيّة فيها ... كذلك كل محقّق في مسألة يجب عليه أن يكتم علمه فيها عمّن لا يفهمه، فإنّ كلّ أحد لا يفهم كلّ علم ...».
و الأظهر أنّ الفيض بعد ما وصل إلى حقيقة هذه البيانات علما و تجربة أخذ يمعن في العمل بها، و كلما مضى من عمره سنون صار أكثر اهتماما في
[١] - الوافي: ١/ ١٠.
[٢] - الاصول الأصيلة: ١٦٧.