علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧

فبعد ما تراه في سفينة النجاة [١] يحمل على القائلين بالاجتهاد و مقلديهم بشدة و عتاب، و يشدد عليهم في الخطاب‌ [٢]، ذهب يقول في رسالته الإنصافية [٣] أنه لا يجوز الحكم بكفر أحد يقرّ باللّه و ملائكته و كتبه و اليوم الآخر و يلتزم الشرائع و يسعى في وجدان ما ضلّ عنه من مطلوبه.

و أمّا من ناحية أنّه محدّث، فصار أكثر اشتغالا بالحديث، و أشد اهتماما به، فقد صنف كتابه الكبير الوافي حينما بلغ سنوه (٦١) و الشافي عند ما كان في السابعة و الخمسين من عمره الشريف- قدّس سرّه- على أنّه لم يخل سائر كتبه- سيما ما صنّفه في اخريات عمره- من الاستدلال بالحديث و الاعتماد عليه، في مختلف الوجهات؛ ثمّ تفسيره للقرآن الكريم- الصافي- تفسير بالمأثور، فالناظر فيه بنظر الاعتبار يرى اهتمام مؤلفه في تفسير القرآن بالحديث.

و أمّا بالنسبة إلى الحكمة و العرفان، فحيث أن كلام المخالفين دائر حول هذا المقام، فعلينا أن نبسط فيه القول و لو طال الكلام.

فلكي نقف على تغيير و جهات نظر الفيض أو عدمه يلزمنا أن نقارن بين بعض ما كتبه في أوائل- أو أواسط- عمره، و ما صنّف في ذلك المجال في أواخره. و لو ذهبنا نطابق ذلك في جميع تأليفاته المتناظرة خرجنا عن نطاق مقدمة الكتاب، و لكن يكفينا في هذا المجال أن نقارن بين كتابين له في الحكمة


[١] - قال فيه (ص ١١٩): «و لنقصنّ عليك من اجتهادات المجتهدين في مسائل الدين ما يتبيّن لك به أنّهم كيف يضعون (ظ: يصنعون) و أنّى يؤفكون».

و قال في آخر الكتاب (ص ١٤١): «و حيث انتهت سفينتنا في بحر الاختلاف إلى ساحل النجاة، و جرت بنا إلى منازل الهداة، لنرسلها عن الجريان و نمسك القلم عن الطغيان، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها، و إِلى‌ رَبِّكَ مُنْتَهاها؛ و يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا و أدخل معك من تبعنا، لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، و تميّز القول الميّت من الحيّ، و كشف الغطاء من البين، و لاح الصبح الذي عينين؛ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا واقٍ ...».

[٢] - مرت حكاية قول صاحب اللؤلؤة: يفهم منها (سفينة النجاة) نسبة جمع من العلماء إلى الكفر.

[٣] - الانصاف: ١٩٥.