علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣

نصّ كريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [٥/ ١] و أزال بها ما عرض لي من الشبهات و الشكوك.

و ملخّص ذلك أنّ رابطة الإيمان مع الشرع المحمديّ تستحكم إذا وفى المؤمن بكل عهد عاهده في كل من الحضرات و العوالم مع كل من الكائنات، و عمل بمقتضى تلك العهود و قام بها؛ و هذا المعنى لا يتحقق إلا بالاختلاط مع أهل الزمان و مقاساة الحوادث في الأزمان.

بلى- في ابتداء الحال لما لم يتوجّه من تفرقة الخارج إلى جمعية الداخل و كان منسرحا في عالم الهوى لا خبر له من وجوده و معرفة نفسه، يقتضي حكم «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [١] أن يسلك سبيل الترك و ينزل في منزل التجريد؛ و لكن بعد ما وصل إلى مقام الفتوّة و الرجوليّة، يتحتّم عليه الولوج في سوق الاختلاط، حتّى تصيبه إصابات الحوادث، و تصل إليه في كل لحظة نائبة من نوائب الدهر. فالواجب عليّ لما وقعت في زمان و دولة قاهرة مريدة لاستحكام قواعد الملك و استمرار الدين الشريف، أن أكون في حواشيها عونا، نصرة في ترويج الدين و سياق الامور إلى الصراط المستقيم.

و بعد اللتيا و اللتي توجّهت إلى صوب الملك، و لما وصلت إليه رأيته أكثر مما كنت أسمع و أتصوّر، و لما تشرّفت بملاقاته قرّبني و كرّمني، و بعد جلسة أو جلستين من الحديث معه رأيته متوجّها إلى تشييد مباني الدين القويم و الشرع المستقيم؛ و إقامة الصلوات و ترويج الجمعة و الجماعات؛ فلعله بحكم‌ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‌ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ [٢٩/ ٤٥] يترك بعض ما كان في طباع الناس من المنكر و يهجر.

و لكن بحكم أن كل من اختصّ بعناية ملك من الملوك صار هدفا لسهام غيظ جمع من العفاريت المتشبّهين بالآدميّين، و الجهّال المتلبّسين بلباس أهل العلم، و المريدين العلوّ و الفساد- الذين هم موجودون في جميع الحواشي، منتظرون للوصول إلى هذه المقامات التي لا يتصوّرون فوقها شيئا في هذا الملك و الملكوت- فعادوني و سعوا فيّ و أرادوا إطفاء نور اللّه بأفواههم.


[١] - تحف العقول: وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام، ٣٩٥. عنه البحار: ١/ ١٥٠.