علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥

و الصواب، و ما هو إلا ما أعلنه اللّه و بيّنه بوساطة رسله و كتبه؛ و إليك مثالا واحدا- و إن كانت الأمثلة كثيرة- ترى فيه نفس ما تقرؤه في هذه الرسالة بلسان آخر، و هو كلام استاذ الفيض صدر الدين الشيرازى- قدّس سرّه- حيث يقول‌ [١]:

«... ثمّ إنّي قد صرفت قوّتي في سالف الزمان- منذ أول الحداثة و الريعان- في الفلسفة الإلهيّة، بمقدار ما اوتيت من المقدور، و بلغ إليه قسطي من السعي الموفور، و اقتفيت آثار الحكماء السابقين، و الفضلاء اللاحقين، مقتبسا من نتائج خواطرهم و أنظارهم، مستفيدا من أبكار ضمائرهم و أسرارهم؛ و حصّلت ما وجدته في كتب اليونانيين و الرؤساء المعلمين، تحصيلا يختار اللباب من كل باب، و يجتاز عن التطويل و الإطناب، مجتنيا في ذلك طول الأمل مع قصر العمل، معرضا من إسهاب الجدل مع اقتراب الساعة و الأجل، طلبا للجاه الوهميّ، و تشوّقا إلى الترؤس الخيالي، من غير أن تظفر الحكمة بطائل، أو يرجع البحث إلى حاصل، كما يرى من أكثر أبناء الزمان، من مزاولي كتب العلم و العرفان، من حيث كونهم منكبّين أولا بتمام الجدّ على مصنّفات العلماء، منصبّين بكمال الجهد إلى مؤلفات الفضلاء ...

فألجأني خمود الفطنة و جمود الطبيعة لمعاداة الزمان و عدم مساعدة الدوران إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار، و استترت بالخمول و الانكسار؛ منقطع الآمال منكسر البال، متوفّرا على فرض أؤدّيه، و تفريط في جنب اللّه أسعى في تلافيه؛ لا على درس القيه، أو تأليف أتصرّف فيه ...

فتوجّهت توجّها غريزيا نحو مسبّب الأسباب، و تضرّعت تضرّعا جبليّا إلى مسهّل الامور الصعاب، فلمّا بقيت على هذا الحال من الاستتار و الانزواء و الخمول و الاعتزال زمانا مديدا و أمدا بعيدا، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالا نوريّا، و التهب قلبي لكثرة الرياضات التهابا قويّا، ففاضت عليها أنوار الملكوت، و حلت بها خبايا الجبروت، و لحقتها الأضواء الأحديّة، و تداركتها الألطاف الإلهيّة ...».


[١] - الأسفار الأربعة: ١/ ٤- ٨.