علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦
فليس ما نراه من الفيض شيئا غريبا، أو ما نسمعه منه بدعة و عجيبا؛ و لكن الواجب على المتأمّل أن يتأمّل في مطاوي كتبه و يطابق ما كتبه أولا و آخرا حتّى يرى مدى تغيير روحيّاته العلميّة، و جذور اعتقاداته الشرعيّة؛ لا أن يقنع بما قرأ سطورا من الرسالة الإنصافيّة، و يحكم- كما نراه من البعض- حكما بتّيا بناء على ظاهر ما فهم منه في الابتداء، و يبني عليه ما يريد و يحبّ من البناء.
فالذي نعرفه من الفيض أنّه في سيرته العلميّة سائر في مختلف الأبعاد:
فهو- كما أشرنا- فقيه أخباريّ، و محدّث، و حكيم إلهيّ، و شاعر أديب ذو قريحة عرفانية يحكي عن الحبّ الإلهي و العشق المعنوي؛ و هذه الأبعاد المختلفة ظاهر من مبدئه، و سائر فيها إلى وفاته، و قد تكامل في جميعها، كما تكامل في ذلك مصنفاته تبعا لمؤلفها؛ و أشار نفسه إلى ذلك أيضا في مقدمة فهرست مصنفاته الثالثة [١]:
«هذا فهرست مصنفاتي التي صنّفتها منذ راهقت العشرين، إلى أن بلغت ثلاثا و ثمانين، كتبت للضبط و التعريف، و هي مائة تصنيف، متفاوتة في الجودة و الإتقان، و حسن التعبير و البيان، و سلامة الألفاظ و متانة المباني، و علوّ المقاصد و دقّة المعاني، و رتب الترتيب و التوضيح، و درج التهذيب و التنقيح؛ حسب تدرّجي في الارتقاء في مراقي الكمال، و مدارج الإيمان، و الخروج من ظلمات الجهل إلى نور العرفان ...».
و عند التأمل في مصنّفاته نرى أنّه تكامل في مختلف الجهات، لا أنّه تغيّر فيه شيئا من البناء و الأساس؛ و نراه في الأخير راعيا حفظ مختلف الجوانب عند ما يقول و يعبّر، لا أنّ مؤلّفه رجع عمّا كان يعتقد و يظهر.
فبالنسبة إلى أنّه كان أخباريّا، فقد بقي عليه إلى آخر عمره- على ما يظهر- غير أنّه صار في التعبير عن عقيدته أنضج، و في مراعاة جانب الاحتياط أشد و أوفق.
[١] - الفهرست المطبوع في مقدمة الجزء الثاني من المحجة البيضاء: ٣٩.