الحجة في القراءات السبع - ابن خالَوَيْه - الصفحة ١٦٣
أثبتهما: أنه من إخبار الله تعالى عن نفسه بنون الملكوت. وعليها جاء قوله: رَبِّ ارْجِعُونِ [١] والحجة لمن حذفها: أنه من إخبار النبي عليه السلام عن الله، والفاعل مستتر في الفعل، وإذ في أول الكلام متعلقة بفعل، دليله قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [٢] وإنما وعظهم الله تعالى بما امتحن به من كان قبلهم وذكرهم نعمه عليهم، وحذّرهم من حلول النّقم عند مخالفته.
قوله تعالى: جَعَلَهُ دَكًّا [٣]. يقرأ بالقصر والتنوين، وبالمدّ وترك التنوين، هاهنا وفي الكهف [٤]. فالحجة لمن قصر ونوّن: أنه جعله مصدرا كقوله: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [٥]. وهذا اللفظ لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر والمصدر اسم للفعل. فلما كان الفعل لا يثنّى ولا يجمع كان الأصل بتلك المثابة. والحجة لمن مدّ ولم ينوّن: أنه صفة قامت مقام الموصوف. وأصله: أرضا ملساء من قول العرب: ناقة دكّاء أي: لا سنام لها.
فهذا يثني ويجمع ولم ينوّن، لأنه وزن لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علامة التأنيث، والوصف فيه.
فإن قيل فقوله: دُكَّتِ الْأَرْضُ خرّج لفظ المصدر فيه على فعله، وليس هاهنا لفظ لفعل يخرّج المصدر عليه، فقل إنّ المصدر هاهنا يخرّج على المعنى، لا على اللفظ، لأنه يريد بقوله تعالى: جعله: دكّه، وذلك معروف عند العرب. قال ذو الرّمّة: «٦»
والودق يستنّ عن أعلى طريقته ... جول الجمان جرى في سلكه الثّقب
«٧» فنصب جول الجمان، لأنه أراد بقوله يستن: يجول قوله تعالى: بِرِسالاتِي [٨]. يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أن الله تعالى إنما أرسله مرة واحدة بكلام
كثير. والحجة لمن جمع: أنه طابق بين اللفظين لتكون
[١] المؤمنون: ٩٩
[٢] الأنفال: ٢٦
[٣] الأعراف: ١٤٣
[٤] الكهف: ٩٨
[٥] الفجر: ٢١
(٦) ذو الرمة: انظر: ١٢٥.
(٧) الودق: المطر الشديد، يستن: أي يجري، الجمان: خرز يتخذ من الفضة، الثقب: الخيط الذي ينظم فيه.
يقول: قطر المطر ينحدر عن ظهر الثور، كأنه جمان، ينحدر من سلكه (شرح ديوان ذي الرمة ورقة: ١٠).
[٨] الأعراف: ١٤٤