الحجة في القراءات السبع - ابن خالَوَيْه - الصفحة ١١٧
فمن قرأ بالتاء جعل الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان (الذين) في موضع نصب بالحسبان وهو المفعول الأول [١]، وما بعده في موضع المفعول الثاني.
ومن قرأ بالياء جعل (الذين) في موضع رفع بفعلهم. وما بعدهم مفعول لهم.
فأمّا قوله: تَحْسَبَنَّهُمْ [٢] بالياء فمعناه: فلا يحسبن أنفسهم. وإنما يجوز الإخبار بالكناية عن النفس في أفعال الشك، لأنها ليست بأفعال حقيقية. فأما قولك: ضرب زيد نفسه فلا يجوز فيه (ضربها)، لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية. وإنما جاء ذلك عن العرب (في حسبتني)، و (خلتني)، و (رأيتني) ومنه قوله: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [٣] والمفازة [٤] هاهنا: البعد، والفوز، والظّفر.
فإن قيل: فإذا كانت أفعال الظن لا بد لها من مفعولين فأين هما في قوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ على قراءة من قرأ بالياء؟ فقل: لما كانت (حسب) [٥] لا بد لها من اسمين، أو ما قام مقامهما، وكان الظن كذلك ناب شيئان [٦] عن شيئين [٧].
قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [٨]. يقرأ بإدغام الدّال في السين وإظهارها. وكان الكسائي يقول: إدغامها أكثر وأفصح وأشهر، وإظهارها لكنة ولحن. وقد ذكرت العلة في الإدغام والإظهار آنفا [٩].
قوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا [١٠]. يقرأ بالنون مفتوحة، وبالياء مضمومة.
فمن قرأ بالنون جعله إخبارا من الله تعالى عن نفسه، وهو الفاعل لذلك و (ما) في موضع نصب بتعدّي الفعل إليها، وهي وصلتها بمعنى المصدر. «وقتلهم» عطف عليه.
ومن قرأ بالياء جعله فعل ما لم يسم فاعله، فيكون حينئذ «ما» وما عطف عليها في موضع رفع.
[١] هي قراءة حمزة انظر: (القرطبي ٤: ٢٨٧).
[٢] آل عمران: ١٨٨.
[٣] العلق: ٧.
[٤] في قوله تعالى: بِمَفازَةٍ آية: ٨٨.
[٥] زيادة يتطلبها الأسلوب.
[٦] أي أنّ وما عملت فيه.
[٧] وهما المفعولان.
[٨] آل عمران: ١٨١.
[٩] انظر: ٦٣. ٧٧، وغيرهما.
[١٠] آل عمران: ١٨١.