الحجة في القراءات السبع - ابن خالَوَيْه - الصفحة ١٠٩
وهما لغتان فصيحتان. والتشديد [١] أكثر. والتخفيف [٢] حسن مستعمل.
فإن قيل: لم خالف أبو عمرو أصله، فخفف قوله: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ «[٣]»؟
فقل: إن أبا عمرو فرّق بين البشارة والنضارة، فما صحبته الباء [٤] شدّد فيه، لأنه من البشرى، وما سقطت منه الباء خففه [٥]، لأنه من الحسن والنّضرة، وهذا من أدل الدليل على معرفته بتصاريف الكلام، غير أن التخفيف لا يقع إلّا فيما سرّ. والتشديد يقع فيما سرّ وضرّ.
فإن قيل: فما وجه قوله تعالى: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ؟ [٦] فقل: كلّ فعل جاز فيه فعل وفعّل اعترض بينهما أفعل.
قوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ [٧] يقرأ بالنون والياء. فالحجّة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه عاطفا به على قوله: «نُوحِيهِ إِلَيْكَ».
فإن قيل: فالنون إخبار عن الجماعة، فقل: هذه النون لا يخبر بها عن نفسه إلّا ذو الممالك والأتباع، لأن من تحويه يده لا يخرج عن أمره، فكان إخباره بالنون عن نفسه وعنهم. والحجّة لمن قرأ بالياء: أنه من أخبار الملك عن الله عز وجل بما يفعله به عطفا على قوله: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ [٨].
قوله تعالى: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ [٩]. يقرأ بكسر همزة (إنّ)، وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه أضمر القول، يريد (ورسولا) يقول: إني، أو يبتدئها مستأنفا من غير إضمار. والحجة لمن فتح: أنه جعلها بدلا من قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ [١٠].
[١] وهو قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة وذلك على وجه تبشير الله زكريا بالولد من قول الناس: بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.
[٢] وهو قراءة جماعة من قراء الكوفة بمعنى: أن الله يسرّك بولد يهبه لك، من قول الشاعر:
بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة ... أتتك من الحجّاج يتلى كتابها
انظر (في الموضعين: تفسير الطبري ٣: ١٧٠، ص ١٧١، المطبعة الأميرية.
[٣] الشورى: ٢٣.
[٤] يقصد إذا تعدى بالباء كقوله تعالى: يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ.
[٥] كقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ.
[٦] فصلت: ٣٠.
[٧] آل عمران: ٤٨.
[٨] آل عمران: ٤٧.
[٩] آل عمران: ٤٩.
[١٠] آل عمران: ٤٩.