حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥١٦ - الهدهد
الهدهد أرخى ذنبه و جناحيه يجرهما على الأرض تواضعا، فأخذ سليمان رأسه فمده إليه، و قال: يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز و جل، فارتعد سليمان و عفا عنه. ثم سأله عن سبب غيبته، فأخبره بأمر بلقيس، و قد تقدمت الإشارة إلى طرف من قصتها في باب الدال و العين المهملتين في الكلام على الدود و العفريت.
قال الزمخشري: و كان السبب في تخلفه و غيبته عن سليمان عليه السلام، أنه حين نزل سليمان حلق الهدهد، فرأى هدهدا واقفا فوصف له ملك سليمان، و ما سخر له من كل شيء، و ذكر له صاحبه ملك بلقيس، و أن تحت يدها اثني عشرة ألف قائد، تحت كل قائد مائة ألف، فذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، فدعا سليمان عليه السلام عريف الطير و هو النسر فلم يجد عنده علمه. فقال لسيد الطير، و هو العقاب: علي به، فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل، فقصدته فناشدها اللّه تعالى، و قال: بحق الذي قواك و أقدرك علي إلا ما رحمتني. فتركته، و قالت:
ثكلتك أمك إن نبي اللّه حلف ليعذبنك، قال: أ و ما ستثنى؟قالت: بلى قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ [١] فلما قرب من سليمان، أرخى ذنبه و جناحيه يجرهما على الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ رأسه فمده إليه فقال: يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه، فارتعد سليمان و عفا عنه ثم سأله. و أما قوله: لأعذبنه، فتعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه.
و قيل: كان عذاب سليمان عليه السلام للطير، أن ينتف ريشه و ذنبه و يلقيه في الشمس ممعطا، لا يمتنع من النمل و لا من هوام الأرض، و هو أظهر الأقاويل. و قيل: إنه يطلى بالقطران و يشمس، و قيل: أن يلقى للنمل تأكله، و قيل: إيداعه القفص، و قيل: التفريق بينه و بين إلفه، و قيل: إلزامه صحبة الأضداد.
و عن بعضهم أنه قال: أضيق السجون صحبة الأضداد، و قيل: حبسه مع غير جنسه، و قيل: الزامه خدمة أقرانه، و قيل: تزويجه عجوزا. فإن قلت: من أين أحل له تعذيب الهدهد؟ قلت: يجوز أن يبيح اللّه له ذلك، كما أباح ذبح البهائم و الطيور للأكل و غيره من المنافع.
و حكى القزويني أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام: أريد أن تكون في ضيافتي قال: أنا وحدي، قال: بل أنت و أهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا فحضر سليمان عليه السلام بجنوده فطار الهدهد فاصطاد جرادة فخنقها و رمى بها في البحر، و قال: كلوا، يا نبي اللّه من فاته اللحم، ناله المرق. فضحك سليمان و جنوده من ذلك حولا كاملا. و في ذلك قيل:
جاءت سليمان يوم العرض هدهدة # أهدت له من جراد كان في فيها
و أنشدت بلسان الحال قائلة # إنّ الهدايا على مقدار مهديها
لو كان يهدى إلى الإنسان قيمته # لكان يهدى لك الدنيا و ما فيها
قال عكرمة: إنما صرف سليمان عليه السلام عن ذبح الهدهد، لأنه كان بارا بأبويه، ينقل الطعام إليهما فيزقهما في حال كبرهما.
[١] سورة النمل: آية ٢١.